أفكار ومواقف

الإخوان والحكومة: أزمة عابرة أم تحولات

يقول الدكتور معروف البخيت إن الأزمة القائمة اليوم هي مع النواب الأربعة وليس مع جبهة العمل الإسلامي، ويفترض أن هذا التصريح للدكتور البخيت يوقف التحليلات الأسطورية والتخيلية عن التحولات والتوجهات الجديدة والكبرى للحركة الإسلامية. لكن هناك أزمة بالفعل، وهناك أيضا تحولات معظمها ليس متعلقا بتوجهات فكرية وسياسية جديدة للحركة الإسلامية، ولكنها في سياق الصعود السياسي للحركة الإسلامية في المنطقة بأسرها، تركيا وأفغانستان والعراق وفلسطين، هذه الدول الأربعة تحكمها اليوم الحركة الإسلامية، ومن المفارقات التي يجب التوقف عندها أن هذه الحركات وبخاصة في العراق وأفغانستان متحالفة مع الولايات المتحدة الأميركية وتخوض حربا ضد القاعدة والعنف”الإسلامي”، وحققت الحركة الإسلامية نجاحات انتخابية كبيرة في مصر والمغرب، وتشارك في حوار واسع أقرب إلى التفاهم مع أوروبا والولايات المتحدة لتشارك وتزاحم النخب السياسية القائمة في الوطن العربي وفي العالم الإسلامي.


تشخيص المسألة في الأردن يبدو أكثر تعقيدا وإن كان متصلا بالصعود الإسلامي والتحولات الأميركية والغربية تجاه الحركة الإسلامية، فثمة خصوصيات أخرى للمشهد الإخواني في الأردن تجعل فهمه وتحليله مختلفا عن سياق المشهد السياسي العربي والإسلامي الذي بدأت الحركة الإسلامية تشكل جزءا كبيرا منه ومدخلا أساسيا في فهمه وتقدير مستقبله، وهذه الخصوصيات تتضمن مجموعة من العناصر والسمات بعضها إيجابي وبعضها سلبي، ولكنها سلبيات على أية حال ليست مستعصية، بل يمكن مواجهتها، وبعامة فإن الحالة الإخوانية مرشحة لبناء قاعدة من التعاون والتفاهم أكثر من الخلاف والأزمة.


الغالبية الساحقة من الإخوان، كما يقول جلالة الملك، معتدلة ومحبة للسلام، وقد التقى جلالته بالأمس مع عدد من قادة الإخوان، وهذه واحدة من أهم مكونات المشهد السياسي الأردني بعامة وموقع الحركة الإسلامية في هذا المشهد، فقد كانت على الدوام جزءا من الخريطة السياسية والعامة، تتفاعل مع الحياة السياسية القائمة تأييدا ومعارضة وحيادا وانسحابا ومشاركة وفق قواعد العملية المتاحة والممكنة والخاصة أيضا بالأردن والتي تتضمن كثيرا من قواعد التسامح والتفاهم حتى وإن تضمنت كثيرا من الاختلاف والمعارضة، ولم يحدث ما يغير هذا المسار.


وفي المقابل فإن الحركة الإسلامية لم تحسم بالفعل موقفها التنظيمي وإن حسمته سياسيا وفكريا تجاه كثير من المواقف والأفكار المتطرفة التي ظلت تحسب عليها، فقد ظل في جسم الحركة الإسلامية جيوب ممتدة في الأعضاء والقيادة تعرض فكرا متطرفا وسلوكا سياسيا استعراضيا وتناقض نفسها وتناقض جماعة الإخوان المسلمين أيضا، وتستخدم الفتوى (جهلا وتجاهلا وتنطعا) لأغراض المنافسة السياسية والتنظيمية والمكاسب الشخصية، وتحرم المشاركة السياسية وتشارك فيها في الوقت نفسه، وكان يجب بالفعل إجراء حسم نهائي لموقع هؤلاء في الجماعة وفي الحزب بل وفي مجلس النواب. ففي الأردن، من بين جميع دول العالم على مدى التاريخ والجغرافيا، نواب يشاركون في الحياة السياسية وفق الدستور والقوانين ويشاركون أيضا في اللجان القانونية للمجلس وهم في الوقت نفسه يقدمون خطابا متطرفا وتكفيريا يعتبر المجالس القائمة نوعا من الكفر والجاهلية، بل ويحرمون ابتداء الترشيح للانتخابات لأنه طلب للولاية وتزكية للنفس، انظر على سبيل المثال كتاب”النظام السياسي الإسلامي” لمحمد أبو فارس وكتابه “حكم المشاركة في الوزارة في الأنظمة الجاهلية” بالإضافة إلى لسان الحال والمقال المليء بالشواهد والخطب والتعبيرات المخجلة والتي يستحي منها الإخوان والمسلمون أيضا.


وهنا فإن مسؤولية الحركة الإسلامية أن تحسم بقوة ووضوح مواقفها تجاه هذه المجموعات، فلا يصح ابتداء أن ترشح الحركة للانتخابات النيابية بل أن تبقى في صفوفها هذه الاتجاهات والأفكار، ولا تسمح لها بالعمل والدعوة من خلال مؤسساتها، وليس مناسبا أن تواصل الحركة الإسلامية بقاء هذه المجموعات في صفوفها، وبخاصة أن من هذه الفئة المدعية للصقورية والتشدد متورط في الفساد والتجاوزات المالية والإدارية في مؤسسات جمعية المركز الإسلامي، وبصراحة فإنه من المخجل للإخوان المسلمين أن يكون من قادة الجماعة من يتولى مناصب استشارية وهمية مفتعلة في جمعية المركز الإسلامي والمستشفى الإسلامي وأن يقبل هؤلاء الشيوخ المتشددون مكافآت كبيرة بغير وجه حق من أموال الوقف والتبرعات.


تاريخ الإخوان المسلمين في الأردن يغلب عليه الاعتدال والانحياز للنظام السياسي، ولا يجوز أن تؤثر عليه أن تنقص منه ممارسات خاطئة أو مختلف عليها، وربما يكون القضاء والمؤسسات والسياسات والإجراءات المتبعة هي المرجعية والحكم الطبيعي، فمن يخالف القوانين أو يخطئ يتحمل مسؤولية عمله “ولا تزر وازرة وزر أخرى”


[email protected]

مقالات ذات صلة

تعليق واحد

  1. دعونا من التحامل ، نريد شيئا من الموضوعية
    أعتقد يا أخ ابراهيم أن في في كلامك الكثير من التحامل على رموز الجماعة ، نسمعكم تطالبون بالديمقراطية والتعددية وتعرضون على الأنظمة الدكتاتورية ، ونجدكم تمارسونها أشد منهم ، أخي : لابد من وجود جميع الأطياف داخل هذه الجماعة فكما كان أبو بكر وعمر ومعهم حاطب ومعهم الحباب وغيرهم وبينهم من الاختلاف ما بينهم إلا أنهم شكلوا مجتمعا طبيعيا ، فهل تتوقع من الجماعة أن تكون مجموعة من الملائكة ، لا أعتقد …أرجو منك أن لاتكون ممن يتأثر كثيرا بوسائل الإعلام المضللة والتي تفعل من الحبة قبة وذلك خدمة لحكومات تريد إلهاء شعوبها عن مشاكلهم الرئيسة وتنسيتهم تقصيرهافي أهم القضايا

  2. التصويب ومعالجة الورم
    حقاً ينبغي أن نصارح الحركة الإسلامية أنه ينبغي عليها أن أن تقوم بعملية غربلة لكل صوت نشاز يخرج عن إجماع توجه الحركة حتى لا يبقى في صفوفها من يتنطع للفتيا الشرعية أو السياسية دون احساس بالمسؤولية فضلاً عن قيامه بتصرفات تضر بالوطن والشعب الأردني الذي احتضن الحركة وأحسن إليهاوتعايش معهابود وسلام وتكامل فكل يبني ويغرس ليرتفع بناء الوطن وينمو . ولا مجال لمن يحمل معول الهدم سواء في جسم الوطن أو في أي عضو من أعضائه التي تمثل قدرات وفعاليات بناءة.

شاهد أيضاً

إغلاق
إغلاق
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock