أفكار ومواقف

الإدارة الأردنية…نجاح وإخفاقات

بعيدا عن جوائز التميز والاشادات التي يتهافت عليها المدراء والحوافز التي يتسابق الجميع لنيلها كانت الادارة العامة الأردنية تعمل بكفاءة عالية وفعالية عز نظيرها . الكثير من الاسس والقيم والمعايير تم ارساؤها قبل ظهور تقنيات العروض المنمقة واستعراض الاستراتيجيات التي لا تطبق وشاشات العرض لنسب الانجاز التي يستعان بها لصناعة الصورة الذهنية عن المؤسسات واحداث التأثير على احكام لجان التقييم والرؤساء.
الكثير من مدراء الماضي لم يكتبوا سيرة ذاتية ولا تقريرا للحصول على جائزة رفيعة فقد كانوا يديرون اعمالهم بمنهج تتداخل فيه القيم مع المعرفة والاخلاص مع حب الوطن والايمان بالدور والمهمة مع الحرص على السمعة . اليوم رحل الكثير من هؤلاء الرجال لكن آثارهم باقية وستظل منارات هادية على جدار الزمن.
من الصعب ان يرد ذكر الجمارك الأردنية دون أن يخطر بالبال مسيرة ياسين الكايد الذي تعرض لمحاولة قتل في ثمانينيات القرن الماضي وهو على رأس عمله مديرا للجمارك. ولا أحد يستطيع مهما حاول أن يتناسى مسيرة الحاج ممدوح الصرايرة الذي ادار الجمارك بمهارة وحكمة في ستينيات وسبعينيات القرن الماضي و في ظروف امنية صعبة ليصبح اسمه مقرونا بأسماء الوزراء والساسة في ذلك الزمان.
لاكثر من احد عشر عاما كان محمد عودة القرعان ايقونة للبيروقراطية بمعناها الإيجابي حيث تنتفي الواسطة والمحسوبية ويكرس المدير جل وقته ليبث في اوصال الدائرة قيم الامانة والعدل والالتزام فاستحق ان يطلق عليه الراحل المرحوم جلالة الملك الحسين لقب امين الامة . لقد حرص القرعان على كل فلس للدولة واشاع بين كوادر الادارة الأردنية صورة المدير بصفته مواطن يضع قدراته ومواهبه في خدمة الأمة.
هذه القيم ينبغي ألا تغيب عن المشهد ونحن نتابع القصص والتسريبات التي لازمت اكتشاف قضية الدخان وما دار حول شخوصها من قصص وظنون واتهامات. فالمؤسسة ليست شخصا وانما تاريخ وتشريعات وانجاز علينا جميعا أن نتجنب محاكمتها ونحن نحاكم الاشخاص ايا كانت مواقعهم وخطاياهم. فالاوطان تولد قبل الاشخاص والافراد يرحلون وتبقى الديار ويتجدد رجالاتها.
منذ تأسيسها عام 1922 كانت الجمارك إحدى اهم المؤسسات التي تجسد سيادة الدولة وتحمي الاقتصاد وتحافظ على الامن . في مختلف المدن والقرى الأردنية كانت وظيفة الرقيب الجمركي محط انظار الشباب الذين لا تتضمن خططهم الالتحاق بالجامعات ففي الزي الموحد للرقباء والاشارات المعدنية على اكتافهم دلالات وسلطة لا يجدونها في الوظائف المتوسطة الاخرى.
الجمارك كانت واحدة من الدوائر القليلة التي تمنح العاملين فيها حوافز شهرية يجري اقتطاعها من مخالفات التهريب وتوزع حسب معادلة ضمن البند الذي جرى التعارف على تسميته ” المساعي”.
للعمل في دائرة الجمارك والمكوس ميزات مهمة كثيرة ليس اقلها أنها تتيح للعاملين حمل السلاح الفردي في الفضاءات العامة والتعرف على المستوردين والمصدرين وامتلاك سلطة الرقابة والتفتيش والوقوف على الجانب المعني بإنفاذ القانون.
من عبدالسلام كمال الذي تولى ادارة الجمارك والمكوس والاحصاء العام وحتى اللواء الرحامنة الذي يديرها اليوم تقلب على ادارة المؤسسة 22 مديرا وعرفت مبانيها وسجلاتها وذاكرتها صورا وسيرا لآلاف الرجال والنساء ممن خدموا اهدافها ورسالتها وتنقلوا بين نقاط الحدود ولاحقوا المهربين في الصحاري والاودية والقيعان ورصدوا تحركاتهم في المراعي والموانئ والمطارات فشهد لهم العالم بالخبرة والدراية والمهارة.
البنية الاساسية للمؤسسة اسسها خبيران بريطانيان ادارا المؤسسة في العشرينيات وحتى نهاية الاربعينيات من القرن الماضي. فقد تمكن كل من السيد تيرنر وليفنجستون من صياغة وتصميم نماذج البيانات للسلع ودربوا طلائع العاملين على وسائل المعاينة والتدقيق وغرسوا في المكان قيم العمل المهني الجاد وروح المنافسة على اداء العمل بجدارة واقتدار
في العقود والسنوات التي اعقبت تاسيس الجمارك جرى تطوير تشريعاتها بما يتماشى مع النمو الاقتصادي الذي بدت بواكيره خلال الاربعينيات خصوصا بعد أن اصدرت الحكومة البريطانية قرارا بتموين جيوش الحلفاء من المنطقة وحصل الكثير من اوائل التجار على وكالات الاستيراد ورخص التصدير.
الكثير من العاملين اليوم يسمعون بقصص الكومسيون والاكراميات والفساد والعزل بهدف الاخلاء والاحالة على التقاعد خدمة لرغبة زبون لكنهم لا يعرفون الكثير عن السمعة العطرة لقدامى مدراء ورجالات المؤسسة العريقة التي رفدت الاقتصاد بالاموال وحمت المنتجات الوطنية وادارت النشاطات التجارية حسب ارفع الاسس والمعايير الدولية دون الحصول على اوسمة وجوائز وترقيات.
على الموقع الالكتروني للجمارك العامة اليوم صور وسير للمدراء الثمانية الذين تولوا الاداراة في العقدين الاخيرين لكنه يخلو من سير الرجالات والرموز الذين عملوا على تكريس اسمى قيم الامانة والشجاعة والعدل وتركوا ارثا مهنيا واخلاقيا ووطنيا يمكن التأسيس عليه.

مقالات ذات صلة

شاهد أيضاً

إغلاق
إغلاق
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock