ترجمات

الإدمان الرقمي: لا تنم أنت وهاتفك الذكي في الغرفة نفسها

بوب غرين* – (موقع سي إن إن) 1/11/2011 

ترجمة : علاء الدين أبو زينة

“حتى إنني لن أنام في نفس الغرفة معها”. هكذا قال لي زميل يدعى دانييل سيبيرغ، وهو يبلغني حُكمَه السريع والقاطع على كيفية قضاء الليل. وهو يقوم بنقل كافة أجهزته الرقمية -أجهزة الكمبيوتر المحمولة، والأقراص، والهواتف المحمولة، وأي شيء نقال يحتوي على شاشة- إلى غرفة أخرى قبل أن يطفئ النور استعداداً للنّوم. وقد تصالح سيبيرغ مع حقيقة أن الأدوات التكنولوجية التي أقحمت أنفسها كثيراً في حياتنا يمكن أن تصبح موضوعاً للإدمان.
لذلك، وعندما يحين الوقت لأخذ قسط من النوم، يقوم زميلي بطردها خارجاً وإغلاق الباب دونها. بل إنه لا يسمح حتى لهاتفه الخلوي المغلق بأن يبقى معه في غرفة النوم. ويقول: “إذا أبقيته هناك، فإننا ربما أقع تحت إغواء تشغيله وتفقده”.
لقد تعلمنا الاحتفاء، بل وحتى تقديس الأدوات اللاسلكية التي نحملها والمخترعين الذين ابتكروها لنا، وكانت ردة الفعل على وفاة ستيف جوبز الشهر الماضي تجسيداً لمدى الأهمية التي أصبحت عليها الهواتف التي تفعل كل شيء، وكذلك حواسيبنا، ولوحاتنا الإلكترونية وكل ما يتصل بذلك من الأدوات الرقمية. ونحن نقول إن التقنية غيرت الحياة كما كنا نعرفها. ولكن، كم فعلت ذلك أكثر من اللازم؟
بل، والأهم من هذه النقطة: كم منا أصبح لديهم هذا الشعور المزعج بأننا أصبحنا -بطريقة أو بأخرى- غير قادرين على الانفصال عنها، بأن أجهزتنا الإلكترونية شرعت باملاكنا؟
ثمة غريزة للتعامل مع هذا الموضوع بغرابة أطوار: “يا إلهي يا أمي! هؤلاء الأطفال يسيرون في الشارع وهم يحدقون في شاشات هواتفهم المحمولة”. يبدو الأمر الآن كما لو أن انتقاد ما يفعله العصر الرقمي بالمجتمع يصم الشخص الذي يثير الأسئلة بأنه متخلف، وخائف من التغيير، ومتشبث بصورة غير عقلانية بنفس الطرق البالية التي عفا عليها الزمن.
وهكذا، أصبحت مسألة الإدمان غالباً أمراً يسأل الناس عنه أنفسهم بصمت وبدون إفصاح. ألا ينبغي لنا أن نصرف وقتاً أقلّ في تفقُّد وإعادة تفقُّد شاشاتنا الكثيرة، كبيرها وصغيرها، وأن نصرف وقتاً أكثر في المشاركة والانخراط فيما كان يُنظر إليه عادة على أنه الحياة الواقعية؟ هل هناك شيء خاطئ يحصل عندما يتم فصل الأشخاص عن هواتفهم وأجهزة حواسيبهم ولوحاتهم الإلكترونية، والذي يجعلهم يشعرون بالتوتر، وتعكر المزاج، والعصبية -وبعبارة أخرى، عندما يشرعون بإظهار أعراض الانسحاب الكلاسيكية؟
للاسترشاد في هذا الشأن، اتصلت مع سيبيرغ، وهو الذي صرف الكثير من التفكير في الموضوع مثل الكثيرين من الأشخاص الذين أعلم بشأنهم. وهذا المراسل السابق لمحطة “سي إن إن”، هو الآن محاضر، وكاتب ومقدم برامج في قضايا التكنولوجيا، والذي أصبح يدرك باطراد، في حياته هو نفسه، ذلك التحكم غير الصحي الذي يمكن أن تُمارسه علينا الأجهزة الرقمية. وكان قد كتب كتاباً بعنوان “الحِمية الرقمية” الذي يقول، بشكل مقنع، إنه ربما يأتي وقت في حياة شخص، يكون فيه هو/ أو هي مرشحاً جيداً للإصابة بإدمان التكنولوجيا.
سألته إذا كانت “الإدمان” كلمة أقوى من أن تُستخدم فيما يتعلق بالأجهزة التي يبدو أنها تجعل مستخدميها يتعلقون بها عاطفياً، ولكن ليس كيميائياً.
“لسوء الحظ، أصبحت كلمة إدمان مستهلكة أكثر مما يجب”، قال، وينبغي عدم تسخيفها. إن الإدمان على المخدرات غير القانونية، والكحول ووصفات الدواء هي مسائل حزينة ومتجهمة. لكن فكرة الإدمان على الأجهزة الرقمية، كما قال، هي شيء حقيقي وأصيل، وهي ليست شيئاً ينبغي أن تكون ردة الفعل لدى الحديث عنه غمزة متهكمة. وأضاف: “أحد تعريفات الإدمان، هي عندما يشرع الناس الآخرون والأنشطة الأخرى في حياتك بالمعاناة بسبب شيء تعلم أنك يجب أن تتوقف عنه، لكنك لا تفعل”.
وكانت بعض الأمثلة التي طرحها على الإدمان الرقمي أشياء سوف يتعرف الكثير من الناس إليها على الفور:
– الرغبة في استخراج هاتفك الجوال والعبث به، حتى عندما يكون الشخص الذي معك منخرطاً تماماً في خضم الحديث معك.
– كتابة واستقبال الرسائل النصية، حتى بينما يكون ابنك أو ابنتك منهمكاً في إخبارك عن يومه/ أو يومها في المدرسة، ثمّ تدرك لاحقاً أنك لا تتذكر تفاصيل ما قاله لك ابنك أو ابنتك.
-أن ينتابك شعور غامض بأن الشيء لم يحدث فعلاً، إلى أن تقوم بإرساله إلى الفيسبوك أو تويتر.
-الشعور بالعزلة والقلق إذا قضيت فترة ممتدة من الزمن وأنت غير متصل بالشبكة.
-ملاحظة أنه حتى عندما تكون أسرتك مُلتمّة جميعاً معاً في غرفة واحدة في المنزل، فإن كل شخص يحدق في شاشته/ أو شاشتها الخاصة، وينقر على لوحة مفاتيح مصغرة.
“هناك أناس يجدون أنفسهم، حتى عندما لا يكونون بصدد استخدام أجهزتهم الرقمية، وهم يقومون بعمل تحديثات على حالتهم، أو يقومون بإرسال تغذيات التويتر في رؤوسهم بينما يختبرون الأشياء”، كما قال سيبيرغ. وأضاف: “يكون الأمر كما لو أنهم فقدوا القدرة على العيش في اللحظة الواقعية، وأصبحوا متكيفين مع الشعور بأن عليهم أن يتقاسموا هذا العيش إلكترونياً وعلى الفور بينما فيما هو مستمر”.
وليس سيبيرغ رجلاً عالقاً في عالم ما قبل تكنولوجي يعلوه الغُبار، وكان دائما من بين الأوائل الذين يقتنون على الفور كل جهاز محمول جديد، وهو يحب الأشياء الجيدة الكثيرة التي يمكن أن توفرها التجربة الرقمية. لكنه أدرك –عندما تستيقظ زوجته في منتصف الليل لتراه، في السرير، وقد أنار وجهه توهج شاشة أو أخرى بعد أن قرر تفقدها مرة أخرى قبل أن يخلد إلى النوم- أن ثمة شيئاً ما ربما يحتاج إلى مُعالجة.
هناك، كما يقول، شعور مشترك بين الناس المُدمنين رقمياً، بأنهم يحسّون بشكل ما، عندما يكونون موجودين مع العالم الحقيقي فقط وبدون شاشة، يحسّون وأنهم ضائعون وتائهون على غير هدى، ومنقطعون. ويقول سيبيرغ: “إنه شعور من قبيل: ما الذي ينقصني؟” لكن هناك في الحقيقة حججاً قوية للقول بأن الشخص -عندما يعيش ساعات كثيرة يومياً في العالم الرقمي، يشعر عند ذلك بأنه يفتقد شيئاً ما حقاً –يفتقد الأشياء التي تحدث في العالم الحقيقي والفيزيائي.
وتوجد لدى سيبيرغ عبارة لوصف ذلك: إنك تعرف أنك في ورطة عندما “تشعر بأن قدمك في مجال التكنولوجيا تبدو وكأنها تعلق أكثر فأكثر في رمال متحركة”. كما أن لديه نصيحة لكل واحد منا، بغض النظر عن مدى عمق شعورنا بأننا نغرق في تلك الرمال المتحركة الرقمية: مثله، ينبغي لك أن تتأمل فكرة الإقفال على كل تلك الأجهزة في غرفة أخرى أثناء الليل. وهو يعد بأن ذلك سوف يُحدث فرقاً: “إنك سوف تنام بشكل أفضل”.

*هو مؤلف كتب تعد من الأكثر مبيعاً. وتتضمن كتبه “الطبعة الأخيرة: قصة حب”، و”عندما نصل إلى مدينة الأمواج: رحلة عبر أميركا بحثاً عن الروك أند رول، والصداقة والأحلام”.
*نشر هذا التقرير تحت عنوان: Don’t sleep with your smart phone nearby

[email protected]

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock