ترجمات

الإرث التحويلي لصاحب “الوضع الراهن”

نعوم شيزاف* – (مجلة 972+) 13/6/2021

ترجمة: علاء الدين أبو زينة

جعل بنيامين نتنياهو الجميع يعتقدون أنه لا يمكن أن يكون هناك بديل مطلقاً لما يسمى “الوضع الراهن”. ويجب أن تكون مغادرته بمثابة تذكير بأن مثل هذا البديل موجود دائمًا.

  • * *
    على عكس العديد من أسلافه، لم يخطط بنيامين نتنياهو الشاب للعمل في السياسة. كان رؤساء الوزراء الإسرائيليون السابقون، مثل دافيد بن غوريون وشمعون بيريز وإيهود أولمرت، قد اختاروا المسار السياسي في سن مبكرة. وقد انخرط إسحق رابين وأرييل شارون وإيهود باراك في السياسة بعد مهنة عسكرية، مثل العديد من الجنرالات الآخرين.
    على النقيض من كل هؤلاء، نشأ نتنياهو في ظل أخٍ أكبر، يوني، الذي ربته العائلة -وخاصة والدهما، بنزيون- ليكون قائداً في المستقبل. وفي الأثناء، أراد “بيبي” أن يصبح رجل أعمال أميركياً. وكانت وفاة يوني، كجندي، خلال الغارة التي نفذتها قوات الكوماندوز الإسرائيلية في العام 1976 في عنتيبي، والموهبة الطبيعية التي أظهرها الشاب بنيامين خلال المناظرات ومناسبات الظهور التلفزيوني، هي التي أطلقت ما يمكن القول إنه أنجح مهنة سياسية في تاريخ إسرائيل.
    واليوم، يغادر نتنياهو منصبه كأطول رئيس وزراء خدمة في إسرائيل، بعد فترة غير مسبوقة من 12 عامًا متتالية أضيفت إلى فترة سابقة من 3 أعوام في التسعينيات -وهو إنجاز اعتبره معظم المراقبين مستحيلًا في ظل النظام السياسي الإسرائيلي الفوضوي والمقسّم. ومثل العديد من الإسرائيليين، أمضيت معظم حياتي مع وجود نتنياهو كرئيس للوزراء.
    السؤال الذي يجب طرحه اليوم ليس ما إذا كان نتنياهو سيعود ذات يوم إلى الساحة السياسية، وإنما هو أي نوع من الإرث هو الذي يتركه وراءه، وما إذا كانت وجهة التيارات التي دفعته إلى السلطة وخدمته جيداً قد انقلبت أخيرًا. هل يتعلق هذا اليوم بـ”بيبي” فحسب -كحلقة أخيرة في الدراما التلفزيونية لسنواته الأخيرة في المنصب- أم أنه تحوُّل أكثر أهمية، والذي يمكن أن يُحدث تغييرًا حقيقيًا في إسرائيل-فلسطين؟
    عقد من الحفاظ على الوضع الراهن
    كانت القضية الفلسطينية -وما تزال- هي المسألة الأكثر أهمية في الحياة الإسرائيلية، والتي تؤسس وتؤثر في جميع جوانب السياسة، بما في ذلك بين المواطنين اليهود أنفسهم. ضع في اعتبارك الحقيقة البسيطة المتمثلة في عدم السماح لمعظم الفلسطينيين الخاضعين للسيادة الإسرائيلية -حتى سكان القدس الشرقية، أو ما تسمى بعاصمة إسرائيل “غير المقسمة”- بالانتخاب أو بانتخابهم لمنصب وطني، وسيبدأ المرء في تخيل الطرق العديدة التي يمكن أن يتغير من خلالها كل شيء إذا حدث وأن أصبحت إسرائيل ديمقراطية على أساس تصويت “شخص واحد، صوت واحد”.
    لكن المرء لا يحتاج للذهاب إلى هذا الحد. فحتى في الوقت الحالي، ترتبط جميع الجوانب الأساسية التي يقوم عليها المجتمع الإسرائيلي -من الدور الذي يلعبه الجيش في تشكيل الحياة الإسرائيلية، إلى الوضع القانوني للدين اليهودي، إلى القوانين التي تحكم تخصيص أراضي الدولة- بالقضية الفلسطينية.
    في وقت مبكر من ولاية نتنياهو كرئيس للوزراء، كنتُ قد جادلتُ بأن صعوده أشَّر على خيار استراتيجي اختاره الإسرائيليون، هو الحفاظ على ما يسمى “الوضع الراهن” من السيطرة على ملايين الفلسطينيين. وقد أعاد كل ما حدث منذ ذلك الحين تقريبًا تأكيد هذه الملاحظة -أو بشكل أكثر دقة، كل ما لم يحدث. لم يتم رفع الحصار عن غزة مطلقاً؛ وظلت السلطة الفلسطينية مقاولاً من الباطن لإسرائيل في الضفة الغربية المحتلة بدلاً من كونها دولة في طور التكوين؛ واستمرت الأنشطة الاستيطانية من دون أن تقوم إسرائيل بضم أي أرض محتلة رسمياً؛ وتبنى الكنيست قانون الدولة القومية اليهودية، المصمم لمنع المواطنين الفلسطينيين من تحدي شخصية الدولة بينما يتم ترسيخ المكانة المتفوقة للأغلبية اليهودية.
    بعض هذه القضايا كانت واضحة ومعروضة عالياً في الهواء، أو أنها اعتُبرت كذلك على الأقل، في شباط (فبراير) 2009 عندما هزم نتنياهو تسيبي ليفني ليصبح رئيس الوزراء مرة أخرى. والآن، بعد مغادرته المنصب، أصبح أبناء جيل جديد من الإسرائيليين والفلسطينيين معتادين رؤية هذه الترتيبات -“الوضع الراهن غير المستدام”- على أنها حقائق حياة لا جدال فيها.
    صحيح أنه عندما عاد نتنياهو إلى السلطة في العام 2009، كانت القوى التي دفعت من أجل التغيير في تراجع مسبقاً. لم تتعافَ الحركة الوطنية الفلسطينية أبداً من وفاة ياسر عرفات ومن الرهان المزدوج على كل من اتفاقيات أوسلو والانتفاضة الثانية. وكانت الولايات المتحدة وبقية دول الغرب تفقد الاهتمام باطراد بالشرق الأوسط. وكان الاقتصاد الإسرائيلي في صعود، بقيادة قطاع تكنولوجيا وصناعة عسكرية من شأنهما أن يجعلا إسرائيل قوة إقليمية؛ كل ذلك بينما تخلف العالم العربي عن الركب. ومع ذلك، كان نتنياهو هو مَن أدرك هذه التطورات، أو بالأحرى راهن عليها في وقت مبكر.
    ربما كان الربيع العربي أهم حدث عمل لصالح حكم نتنياهو. فقد حوّلت الحروب الأهلية التي اندلعت في أعقابها وصعود “داعش” الجميع -بما في ذلك القيادة الفلسطينية في رام الله- إلى الوضع الراهن. وفتح الربيع العربي الباب أمام المنافسة الإسرائيلية-الإيرانية على النفوذ الإقليمي، والتي أصبحت محور تركيز طموحات نتنياهو الجيوسياسية؛ كما سمحت بالتحالف الإسرائيلي مع دول الخليج الذي أسفر عن إبرام “اتفاقيات إبراهيم”.
    النخب الجديدة
    بالقدرة على الملاحة في هذه المياه المضطربة، أثبت نتنياهو أنه موهوب للغاية في تبني شكل من سياسة المواجهة، والذي غير بالتدريج النظام السياسي الإسرائيلي بأكمله. قبل عقد من الزمان، لم يكن هناك إجماع إسرائيلي حول كيفية -أو ما إذا كان يجب- مواجهة إيران، أو حول عدم القدرة على التوصل إلى اتفاق على الوضع النهائي مع الفلسطينيين. لكن هناك إجماعاً الآن. وقد أصبح نتنياهو، بالحفاظ على استراتيجية الوضع الراهن لأكثر من عقد، زعيمًا تحويليًا ومهماً لإسرائيل، وربما للمنطقة بأكملها.
    من المفارقات أن الفراغ الهامشي في النفسية الإسرائيلية المتعلق بالأسئلة حول الاحتلال والمستوطنات قد سمح بتشكيل حكومة غرائبية أسقطت نتنياهو -حكومة يدعم فيها حزبا العمل وميرتس -وحتى “راعم”- نفتالي بينيت، الرئيس السابق لـ”مجلس يشا” (المنظمة المظلة الجامعة لحركة الاستيطان) كرئيس للوزراء.
    وكان نتنياهو زعيماً تحويلياً بمعنى آخر، داخلي، أيضاً. فقد وصل إلى السلطة في العام 1996 على خلفية ما كان يُعرف شعبياً باسم “تحالف الفاسدين” -وهو اتحاد للمجتمعات والأقليات في أسفل التسلسل الهرمي اليهودي السياسي والاجتماعي والاقتصادي والثقافي في إسرائيل: اليهود الشرقيون (أحفاد المهاجرين من الدول العربية والإسلامية)؛ الجيل الأول من المهاجرين من الاتحاد السوفياتي السابق؛ القوميون الدينيون (المجموعة الأساسية لحركة الاستيطان)، والتي فقدت حظوتها لدى التيار الإسرائيلي السائد بعد اغتيال رابين؛ والحريديم، أحد أفقر المجتمعات وأكثرها حرماناً في إسرائيل.
    في ذلك الحين، تغلّب نتنياهو على كل هذه الخلافات والتناقضات الداخلية باسم قضية واحدة مشتركة: إسقاط النخبة القديمة من اليهود الأشكناز (الأوروبيين) الذين شغلوا معظم مناصب السلطة في الاقتصاد الإسرائيلي، والنظام القضائي، والأوساط الأكاديمية، ووسائل الإعلام، وإلى حد ما الجيش. وكانت الديموغرافيا إلى جانبه، وبحلول الوقت الذي عاد فيه نتنياهو إلى السلطة، كان ائتلافه يحظى بأغلبية صغيرة -لكنها مهمة- على أساس هذه القضية -حتى عندما كان المواطنون الفلسطينيون، الذين اصطفوا مع اليسار، يصوتون أيضاً بأعداد متزايدة.
    بطبيعة الحال، بالنسبة لليمين، يسير النهوض بقضية اليهود المحرومين جنبًا إلى جنب مع الحفاظ على مكانة أدنى للفلسطينيين كأقلية قومية. وعلى جبهات معينة، استثمرت حكومات نتنياهو المتعاقبة في المواطنين الفلسطينيين حقاً بطرق لم تفعلها أي حكومة وسطية أو يسارية. ومع ذلك، حدث هذا فقط طالما كان يعني فتح الأبواب للفلسطينيين كأفراد، بينما يجري منعهم من تحدي الترتيبات الدستورية الإسرائيلية الأساسية، ورموز الدولة، وتوزيع الأراضي.
    في أعوام نتنياهو الأخيرة، عندما أصبحت السياسة تدور حول بقائه، شرع الائتلاف السياسي لرئيس الوزراء في الانهيار. فقد شعرت النخبة الأشكناز اليمينية، الفرع الأقل إيديولوجية للحركة القومية الدينية، وكذلك بعض المهاجرين السوفيات السابقين، بأنهم أصبحوا يتمتعون بالقوة الكافية للتكاتف مع الوسط واليسار الصهيوني ضد رئيس الوزراء، وبالتالي تحول “بيبي” مرة أخرى إلى ضحية لنجاحه الخاص. وطوال الوقت، ارتكب نتنياهو أكثر أعماله يأسًا وجرأة من خلال محاولة تشكيل حكومة مع حزب “راعم” العربي الإسلامي، كاسراً بذلك التابو العنصري في السياسة الإسرائيلية الذي يرفض تشكيل ائتلافات مع الأحزاب الفلسطينية.
    وهنا، أثبت نتنياهو مرة أخرى أنه زعيم تحويلي، وليس مجرد واحديتقن الملاحة بمهارة في تيارات عصره. ولم يكن هذا كله من فعل نتنياهو -كانت الشبكات الاجتماعية، والتغيرات العالمية والاقتصادية، إضافة إلى الديناميات الديموغرافية، كلها تلعب دوراً هنا. ومع ذلك، فإن إسرائيل التي تركها نتنياهو وراءه تبدو متعددة الثقافات أكثر من أي وقت مضى، حتى فيما يتعلق بظهور المواطنين الفلسطينيين في المجال العام. ومع ذلك، فإنها أيضًا إسرائيل التي أصبحت أكثر ارتياحاً مع رؤيتها الخاصة كدولة عرقية، مع فكرة السيادة اليهودية، ومع فرض حصار على غزة ونظام احتلال في الضفة الغربية تجري إدامته من خلال المراقبة التكنولوجية المتقدمة، والمراقبة الشرطية بواسطة مقاولين من الباطن، والقوة العسكرية المميتة.
    التحول إلى الداخل
    وإذن، ماذا الآن؟ لقد قاد نتنياهو الإسرائيليين والفلسطينيين للخروج من حقبة الانتفاضات والمفاوضات إلى واقع دائم على ما يبدو، قوامه إسرائيل كقوة إقليمية عظمى بنظام يستأثر فيه اليهود بجميع الأصول والامتيازات تقريبًا. وليس من قبيل المصادفة أن المجموعة الفلسطينية الوحيدة التي تقدمت بقضيتها بشكل كبير خلال حقبة حكمه هم الفلسطينيون من مواطني إسرائيل، الذين على الرغم من أنهم ما يزالون يعانون من التمييز الشديد، فإنهم استفادوا من وصولهم إلى النظام السياسي وقدرتهم على أن ينتخِبوا ويُنتخَبوا.
    ولكن، طالما بقي الشعب الفلسطيني -في غزة والقدس الشرقية والضفة الغربية والشتات- غير قادر على إعادة تجميع صفوفه وعلى أن يشكل تحدياً سياسياً متماسكًا لإسرائيل، وفي غياب أي تحد خارجي قوي، فإن من المرجح أن تستمر الترتيبات الحالية، خاصة وأن الحكومة الجديدة تفتقر إلى التفويض والإجماع الضروريين للتغيير.
    على المدى القصير، سوف يتحول المجتمع الإسرائيلي بشكل أكبر إلى الداخل، حيث يحاول العديد من أصحاب المصلحة تسجيل مكاسب في البيئة الجديدة. ولنأخذ على سبيل المثال حزب “ميرتس” الحمائمي، الذي لم يخدم في الحكومة منذ 20 عاماً، لكنه يشغل الآن ثلاث حقائب وزارية. لن تكون له أي مصلحة في هز القارب.
    ومع ذلك، فإن الدرس المستفاد من عهد نتنياهو هو أنه حتى الوضع الراهن لا يمكن أن يكون سكونياً وثابتًا بالمطلق. مثلما انهارت الترتيبات الداخلية التي أبقته في السلطة -على الرغم من محاولاته اليائسة الاحتفاظ بها- بدأت تظهر الآن فرص أوسع. ولعل إرث نتنياهو الأكثر خطورة هو أنه جعل الجميع يعتقدون أن واقعاً بديلاً لا يمكن أن يوجد أبداً. وينبغي أن تكون مغادرته بمثابة تذكير بأن ثمة بديلاً لا بد أن يوجد على الدوام.

*Noam Sheizaf: صحفي ومحرر مستقل. كان المدير التنفيذي المؤسس ورئيس تحرير “مجلة 972+”. وعمل في صحيفة “هائير” المحلية في تل أبيب، وشبكة Ynet، وصحيفة “معاريف” اليومية، حيث كان آخر منصب له هو نائب رئيس تحرير مجلة “نهاية الأسبوع”. يعمل حالياً على إنتاج عدد من الأفلام الوثائقية.
*نشر هذا المقال تحت عنوان: The transformative legacy of Mr. Status Quo

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock