ترجمات

الإرث الكولنيالي لشرطة إسرائيل

سهاد بشارة – (مجلة 971+) 6/10/2020

ترجمة: علاء الدين أبو زينة

مثل جنوب إفريقيا والولايات المتحدة، صُممت الشرطة الإسرائيلية بشكل واضح لفرض التفوق اليهودي العنصري بالعنف، مع ضمان الإفلات من العقاب.

  • * *
    تصادف هذه الأيام ذكرى مرور 20 عامًا على قيام قوات الأمن الإسرائيلية بقتل 13 متظاهراً فلسطينياً، 12 منهم من المواطنين الإسرائيليين، في بداية الانتفاضة الثانية –في ما أصبح يُعرف باسم “عمليات قتل أكتوبر 2000”. وعلى الرغم من الاحتجاجات العامة الهائلة التي حدثت في ذلك الحين، لم يتم تحميل أي ضابط شرطة المسؤولية عن هذه الأحداث.
    والآن، بعد مرور عقدين من الزمان، يبدو أن الجمهور اليهودي على نطاق واسع ما يزال ينظر إلى إحدى أكثر اللحظات تعريفاً للمواطنين الفلسطينيين في إسرائيل على أنها مجرد فشل مؤسسي. ولكن، لفهم سبب “فشل” إسرائيل في محاكمة المسؤولين، يجب تفسير عمليات القتل هذه -وغياب محاسبة مرتكبيها- في سياقها السياسي الكامل.
    ترتبط قوة الشرطة الوطنية الإسرائيلية بنيوياً بالنظام القانوني للدولة، وبقيم النظام الذي تعمل في ظله -أي الأهداف المتمثلة فرض التفوق العرقي لليهود والسيطرة القمعية على الفلسطينيين.
    بناءً على هذه القيم التي طُبعت عليها منذ نشأتها، اضطلعت الشرطة الإسرائيلية بدورين رئيسيين تجاه المواطنين الفلسطينيين: قمع أي احتجاج سياسي ضد المؤسسة الإسرائيلية؛ وفرض سياسات تضمن السيطرة اليهودية الديموغرافية، والجغرافية، والسياسية. ويشمل الدور الأخير، من بين أمور أخرى، المساعدة في تنفيذ عمليات هدم المنازل وطرد المواطنين الفلسطينيين من قراهم؛ بل إن هذا الدور قاد في النقب إلى إنشاء وحدة شرطة خاصة مكرسة لعمليات الهدم والإخلاء ضد السكان البدو الفلسطينيين.
    بسبب هذا الدور المزدوج، كان العنف دائمًا سمة مميزة لسلوك الشرطة الإسرائيلية في تعاملها مع المظاهرات التي ينفذها المواطنون الفلسطينيون. في احتجاجات يوم الأرض في العام 1976 ضد المصادرة الواسعة للأراضي في الجليل، قتلت الشرطة الإسرائيلية ستة مواطنين فلسطينيين وجرحت مئات آخرين. وفي تشرين الأول (أكتوبر) 2000، قتل قناصة من الشرطة 13 مواطناً فلسطينياً وجرحوا مئات آخرين بالرصاص الحي والمطاطي. وأثناء مداهمة لهدم منازل في قرية أم الحيران البدوية في كانون الثاني (يناير) 2017، حيث كان المتظاهرون حاضرين أيضًا، قتل رجال الشرطة بالرصاص أحد السكان والمدرِّس يعقوب أبو القيعان.
    وليست هذه الأحداث العنيفة مصادفة؛ إنها في واقع الأمر تعكس بدقة الدور الذي أسندته إسرائيل للشرطة منذ العام 1966 عن إصرار وتصميم، عندما أنهت الحكومة حكمها العسكري على التجمعات الفلسطينية في الدولة. ومنذ تلك اللحظة، حلت الشرطة محل الجيش كلاعب رئيسي ينفذ العديد من الأهداف القمعية والجيوسياسية للدولة، والتي ظلت من دون تغيير إلى حد كبير بعد أكثر من 50 عامًا.
    “حراسة الأرض”
    في 27 شباط (فبراير) 1966، بينما كانت إسرائيل تستعد لإنهاء حكمها العسكري على المواطنين الفلسطينيين، التأم شمل مسؤولو وزارة الدفاع في اجتماع “سري للغاية” لمناقشة الدور الذي ستلعبه الشرطة في اليوم التالي. ويشكل بروتوكول الاجتماع وثيقة نهائية تبين أن الحكومة، في كثير من النواحي، اعتبرت قوة الشرطة رسمياً خليفة للحكم العسكري. وعلاوة على ذلك، توضح الوثيقة أن الهدف الرئيسي لشرطة إسرائيل لا يتمثل في حماية المواطنين الذين يتعاملون معهم، وإنما في خدمة المصالح السياسية للنظام. إنها تهدف، باختصار، إلى فرض ما يوصف في البلدان الأخرى بـ”الرقابة الشرطية الاستعمارية”.
    في ذلك الاجتماع، حدد مسؤولو وزارة الدفاع واجبات الشرطة بناءً على أداتين استعماريتين متاحتين تحت تصرفهم: “قانون الشرطة” و”أنظمة الدفاع” (الطوارئ)، وكلاهما قام بتشريعهما لأول مرة الانتداب البريطاني في فلسطين وورثتهما إسرائيل مع مختلف أنواع التعديلات. وعهد المسؤولون إلى الشرطة بـ”تنفيذ أنظمة وتعليمات الدفاع في جميع المجالات: أوامر التقييد الشخصية، وإغلاق المناطق، إلخ”. كما كلفوا القوة بتفعيل لوائح الدفاع “لأداء دورها كمسؤول عن النظام العام في الوسط العربي وضمان سلامة المواطنين العرب في مدنهم وفي البلدات المختلطة (التي يقطنها سكان عرب ويهود)”. وبالإضافة إلى ذلك، كان على الشرطة مساعدة سلطة الأراضي الإسرائيلية في “حماية” الأرض وتنفيذ أوامر الهدم.
    ثم يحدد بروتوكول الاجتماع بوضوح العلاقات بين الجيش والشرطة لمساعدة الأخيرة على أداء أدوارها: “سوف يُفعِّل القادة العسكريون أنظمة الدفاع (الطوارئ) للعام 1945 -باستثناء احتياجات جيش الدفاع الإسرائيلي- فقط من أجل تلبية احتياجات جهاز ‘الشين بيت’ وقوة الشرطة. ولن يتدخلوا في الاعتبارات المهنية لهؤلاء المسؤولين الأمنيين الذين طُلب من اللوائح العمل نيابة عنهم. ولكن، بما أن المسؤولية القانونية والعامة عن تفعيل الأنظمة تقع على عاتق القادة العسكريين، فإن من حقهم لهذه الأسباب عدم تفعيلها”. وشكلت السلطات بعد ذلك لجنتين للعمل على مزامنة سياسات وعمليات الشرطة والجيش والشين بيت والمستشار الحكومي للشؤون العربية.
    بعد أقل من أربعة عقود من ذلك الاجتماع، في أيلول (سبتمبر) 2000، أجرت الشرطة “لعبة حرب” في شمال إسرائيل، والتي أطلق عليها اسم “رياح العاصفة”. وفي الإحاطة الافتتاحية لذلك الحدث، أقامت الشرطة نفسها رابطًا واضحًا وواعيًا بين تجريد الفلسطينيين من ممتلكاتهم في العام 1948 وبين الدور الحالي لقوة الشرطة: “… قبل 52 عامًا، تم احتلال هذه المنطقة، حيث نحن الآن، على يد اللواء السابع المدرع ولواء جولاني. التاريخ الدقيق: 14 تموز (يوليو) 1948. وها نحن الآن هنا، بعد 52 عامًا، ما نزال نتعامل مع نفس القضايا تقريبًا، وإن لم يكن ذلك احتلال الأرض، وإنما حراستها”.
    حصانة وإفلات من العقاب، بالتصميم
    ليس هذا التقليد الاستعماري من العمل الشرطي فريدًا ومقتصراً على إسرائيل بأي حال من الأحوال. على سبيل المثال، طُلب من الشرطة في نظام الفصل العنصري في جنوب أفريقيا بشكل روتيني مساعدة الجيش في قمع الاحتجاجات ضد النظام وفرض قوانين الفصل العنصري. وكان عمل الشرطة موجهًا بشكل أساسي نحو الحفاظ على علاقات القوة العرقية في جنوب أفريقيا، وتعاملت، في جوهر تكوينها، مع السيطرة على حركة السكان السود وقمع أي نوع من المقاومة السياسية.
    ويمكن العثور على مثال آخر في الدور التاريخي الذي لعبته الشرطة في الحفاظ على العبودية والفصل العنصري وتفوق البيض في الولايات المتحدة. وما يزال من الممكن رؤية هذا الإرث في عمل الشرطة العنصرية الأميركية اليوم، في الطريقة التي يمارس بها تطبيق القانون بالعنف الوحشي ضد السود وغيرهم من الملونين -وهو واقع حفز الاحتجاجات الجماهيرية التي اندلعت هذا العام في جميع أنحاء الولايات المتحدة بعد مقتل جورج فلويد على يد الشرطة في مينيابوليس.
    مثل الشرطة في جنوب إفريقيا وفي الولايات المتحدة، لا تخضع الشرطة في إسرائيل للمسائلة -بالتصميم. وعلى سبيل المثال، أظهر كشف إعلامي أخير عن التحقيق في مقتل يعقوب أبو القيعان في أم الحيران أن المدعي العام الإسرائيلي طلب من دائرة مباحث الشرطة بوزارة العدل عدم التحقيق مع أفراد الشرطة المتورطين، وقام بإغلاق التحقيق لاعتبارات سياسية. وبالمثل، فإن قرار المدعي العام الإسرائيلي بإغلاق تحقيق دائرة مباحث الشرطة بوزارة العدل في جرائم القتل التي ارتكبتها الشرطنة في تشرين الأول (أكتوبر) من العام 2000 وعدم مقاضاة المسؤولين عنها -خلافًا لتوصيات لجنة أور- كان في الواقع دفاعًا صريحًا عن الدور القمعي الذي لعبته الشرطة في نظام إسرائيل الكولنيالي.
    ويمتد غياب المساءلة إلى قتل المدنيين الفلسطينيين غير المشاركين في الأحداث والاحتجاجات السياسية. منذ تشرين الأول (أكتوبر) 2000، استشهد عشرات المواطنين الفلسطينيين على أيدي الشرطة من دون تحميل الأخيرة أي مسؤولية. ومن الأمثلة البارزة على ذلك إصرار المدعي العام على عدم توجيه الاتهام إلى رجل الشسرطة الذي أطلق النار على خير حمدان في ظهره وقتله في كفر كنا في تشرين الثاني (نوفمبر) 2014. وفي مثل هذه الحالات، يوفر الإرث الكولنيالي هامشًا واسعًا من الخطأ بادعاء ارتكاب “أخطاء” مزعومة ضد السكان الخاضعين لعمل الشرطة، مما يخلق ثقافة من نوع “أطلق النار وكن سعيداً” بين رجال الشرطة.
    كما أن رفض التركيز على حُسن عيش المواطنين ومصالحهم يخلق إحساسًا عميقًا بالانفصال والشك وانعدام الثقة بين الشرطة والمجتمع. ويتجلى هذا الواقع بشكل صارخ في فشل الشرطة الإسرائيلية المنهجي في حل قضايا القتل والعنف داخل المجتمعات الفلسطينية. ووفقًا للبيانات المنشورة في تقرير صادر عن مركز الأبحاث والمعلومات التابع للكنيست في شباط (فبراير) من العام 2018، كان 70 في المائة من الضحايا في قضايا القتل التي لم يتم حلها بين العامين 2014 و2017 مواطنين فلسطينيين. وكشف تحقيق أجرته صحيفة “هآرتس” في كانون الأول (ديسمبر) 2019 أيضًا أنه تم حل ثلث حالات القتل البالغ عددها 91 في المجتمعات العربية في ذلك العام، مقارنة بما يقرب من الثلثين في المجتمعات اليهودية.
    حراس بوابات النظام
    بالنظر إليها من خلال هذا المنظور التاريخي، يجب فهم الشرطة الإسرائيلية على أنها حراس البوابات لنظام الدولة القانوني الاستعماري؛ وفي المقابل، تُظهر قرارات السلطات القانونية لمنع مساءلة الشرطة بشكل منهجي أن القانون مصمم لحماية هؤلاء الحراس. وبهذا المعنى، تعامل إسرائيل شرطتها مثل جيشها -وهي مؤسسة عنيفة أخرى معفاة من المسؤولية بينما تقوم بتأدية واجباتها الاستعمارية في الضفة الغربية وقطاع غزة.
    عندما سقط نظام الفصل العنصري في جنوب أفريقيا وتولى حزب المؤتمر الوطني الأفريقي السلطة في العام 1994، كانت إحدى المهام الأولى للحكومة تفكيك وإعادة بناء قوة الشرطة الوطنية. وكان ذلك إيذانًا بقدوم عصر جديد من العلاقات بين شعب جنوب أفريقيا وسلطات الدولة التي كان من المفترض أن تمثلهم وتخدمهم.
    وهكذا، أعيدت هيكلة قوة شرطة ما بعد الفصل العنصري وبناؤها، على الأقل من الناحية النظرية، حول مبادئ اجتماعية وسياسية جديدة لتعكس تلك الحقبة الجديدة. وجرى تنظيم مسؤولياتها وواجباتها من خلال الدستور الجديد لجنوب إفريقيا، فضلاً عن القوانين الجديدة التي كلفت الشرطة بـ”حماية وخدمة” المجتمع. وعلى الرغم من ذلك، ما تزال الخدمة المثالية للشرطة بعيدة المنال في جنوب إفريقيا، حيث ما تزال شرطتها، مثل العديد من البلدان الأخرى، تعاني من ثقافة العنف والإفلات من العقاب بدوافع سياسية، حيث يعكس سلوكها الانقسامات الطبقية والعرقية الأوسع في جنوب إفريقيا.
    ومع ذلك، فإن ما يمكن أن نتعلمه من هذه السياقات الأخرى -ومن إخفاقاتها- هو أن نهج الشرطة الإسرائيلية تجاه المواطنين الفلسطينيين مرتبط ارتباطًا وثيقًا بالهدف السياسي للنظام، وهو في هذه الحالة نية الحفاظ على التفوق والسيطرة اليهودية. ولذلك، لدى المطالبة بإحداث تغيير في الشرطة، يجب أن يكون هناك أيضًا مطلب لا ينفصم بتفكيك علاقات السلطة المؤسسية والدستورية التي تسعى جاهدة إلى إحكام الهيمنة العرقية، ككل.

*محامية ومديرة وحدة الأراضي وحقوق التخطيط في “عدالة” -المركز القانوني لحقوق الأقلية العربية في إسرائيل”، وهي حاليًا طالبة دكتوراه في كلية الحقوق في كينغز كوليدج بلندن.
*نشر هذا المقال تحت عنوان: The colonial heritage of Israel’s police

انتخابات 2020
24 يوما
#الأردن_ينتخب
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock