أفكار ومواقف

الإرهابيون الجدد

سائد كراجة

تجدهم في كل حدب وصوب، مالكو الحقيقة كلها، أصحاب اليقين البات، الممثلون الحصريون للأخلاق المنافحون عن الجدل، لا تأخذهم في العصبية لومة لائم، لهم في ساحات الدهماء صولات وجولات، يجمعون من الأغاليط المنطقية والواقعية ما يحرك المجاميع، لا تواني عندهم من استخدام أسلحة التحطيم الشامل للعِرض والذات واغتيال شخصية الآخر وهم لهذا على تخوم حرب ضروس على المنطق والفلسفة والأخلاق والفن والمسرح بدعوى الحفاظ على المجتمع ولمقاومة انفلات متوهم ورذيلة متخيلة، ولا يعلم أحدهم أن أرذل مدارج الرذيلة هي مدارج الجهل والجوع ونقص الثمرات، وأن الطريق الوحيد للانعتاق من الجهل لا يقبع فقط في حفظ الفرج، بل أولا وأساسا في حفظ العقل والحرية والقدرة على الاختيار.

لو كان الإجبار الصريح أو الضمني طريقا للعدالة والفضيلة لكان رب الكون وخالق البشر أولى بهما، ولكنه كرامة لخلقه وتنزيه لذاته تعالى عن الإجبار والغصب فرض الحرية والعقل طريقا للإيمان والإنسان (إن نشأ ننزل عليهم من السماء آية فظلت أعناقهم لها خاضعين) (ولو شاء ربك لجعل الناس أمة واحدة).

وللموضوعية في القول فإن الإرهابيين الجدد منتشرون في كل « أيديولوجية» وملة، فترى ممن ينادي بالحرية الشخصية من هو مذؤوب في ذاته يرى في كل من يختلف عنه « متخلفا» يستحق الاستئصال ويعتقد أن سلوكه وأيديولوجيته هي الصراط الوحيد المستقيم، فيناقض بأدائه من حيث يدري ولا يدري قيمة الحرية وقبول الآخر، ذلك أن الآخر الوحيد الذي يقبله هو الآخر الذي يكون على شاكلته وعلى مذهبه ومنهم من يتقلب آناء الليل وأطراف النهار ويلون مواقفه حتى يترك العقل لاهثا في محاولة فهمه وإدراك تناقضاته، فمنهم المتنور على الآخرين فقط دون أهل بيته، ديمقراطي الخطاب دكتاتوري الاصطفاف « ملحلح» في نقد السلطة يعرف من أين تؤكل الكتف والساق.. وأشدهم بأسا من يعتقد في ذاته اعتقادا يغنيه حتى عن الوقوف وفهم الواقع والأحداث والتأصيل فيُفصّل نعوتًا ويوزع أحكاما على الناس ويفصل البشر زمرتين واحدة يرضى عنها وأخرى يخرجها من جنته!

حوار المجتمعات وتلاقح الأفكار والآراء غِنًى عظيم، وهو الطريق لبناء تفاهمات اجتماعية كبرى فإن كل اختلاف مهما تعمق يخرج عنه هامش ولو ضيق من الاتفاق، وما ثقافة البشر والحضارات سوى التراكم لهوامش الاتفاق الإنساني الموضوعي، ولكن هذا رهن بتغليب المنطق والعقل وتغليب حسن النية وصفاء الطوية واتباع أساليب « الحوار» النبيل، والتضاد الذي يحترم الآخر ويؤمن بوجوده فإن هذا التضاد الإيجابي هو قانون بقاء الحضارات «ولولا دفع الله الناس بعضهم ببعض لهدمت صوامع وبيع ومساجد يذكر فيها اسم الله كثيرا».

لا شرطة للدين فليس للمنتمي إلى حزب ديني ولا حتى للمتدين حصة من الدين أكثر من أي شخص آخر ولا شرطة للحريات والتنوير فليس للسالك سلوكا « عصريا» حصة في التنوير والحداثة أكثر من أي شخص آخر، فكل منا له اختياره ومذهبه في الدين والأخلاق والحريات ولا قالب واحدا مصمم للجميع بل لكل فرد قالب بذاته له أن ينضم لمن يختار من القوالب الأخرى والأصل أننا جميعا على قدم المساواة في السعي نحو النبل والجمال والخير والحرية..

ليتوقف هذا الإرهاب الجديد، وتعالوا إلى كلمة سواء حول الوطن والمواطنة والحرية في الرأي والمعتقد وحول الدولة كما وصفتها مواد الدستور مجتمعة، وأساس عملها حماية الدستور ومؤسساته وضمان حقوق الأفراد والجماعات كما جاءت في الدستور وتوفير تكافؤ الفرص، واعلم أن الفرص تنفد يوما بعد يوم ولم تعد كثيرة جنابك..

المقال السابق للكاتب 

لماذا الفلسفة؟

للمزيد من مقالات الكاتب انقر هنا

زر الذهاب إلى الأعلى

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock