ترجمات

الإرهاب المحلي العنصري وإرث عنف الدولة

هنري جيرو* – (كاونتربنتش) 1/6/2020
ترجمة: علاء الدين أبو زينة

أصبحت أميركا الآن معسكراً مسلحاً، وأصبحت الحرب على السود والملونين مصدراً للفخر أكثر من كونها مقدمات منذرة بالخطر. تحولت العنصرية إلى وسام شرف للإدارة الحالية. وتتاجر هذه الإدارة بالإهانات العنصرية والتشجيع على عنف الشرطة، وتعتقد أن السود هم أكثر خطورة من الإرهابيين اليمينيين والنازيين الجدد والتفوقيين البيض. ويُنظر إلى الأشخاص الملونين في الخطاب السائد للتفوقية البيضاء على أنهم خارج حدود العدالة؛ وأن وجودهم يشغَل مساحة بين اللامرئي واللاموجود.

  • * *
    الوحشية المطلقة التي انطوى عليها موت جورج فلويد على يد شرطي عنيف شرير لا ترمز فقط إلى العنصرية الصرفة لثقافة تدير وجهها بعيداً عن عنف الشرطة ضد السود، وإنما ترمز أيضاً إلى مجتمع يجري فيه تطبيع شكل من أشكال الإرهاب المحلي العنصري. وينبغي أن يُفهم مقتل فلويد على أنه جزء من سياسات منهجية أوسع، تنتمي للتراث الطويل من ثقافة الإرهاب العنصري التي تمتد من عصر العبودية و”جيم كرو”، إلى ويلات الحجز الجماعي العرقي وسياسة الإقصاء الموجه. بماذا غير ذلك يمكن تفسير جرائم القتل التي لا معنى لها ضد بوتام جان، وتريفون مارتن، ومؤخرا أحمد أوبري وبرونا تايلور. قُتل أوبري على يد حراس بيض في أحد الأحياء بينما كان يركض. وأطلق رجال الشرطة النار على تايلور في سريرها بعد أن اقتحموا منزلها -حرفيا- من دون سابق إنذار. وأصبحت الأجهزة العقابية للدولة العنصرية أكثر بربرية بينما تتركز السلطة أكثر فأكثر في أيدي القوميين البيض فاحشي الثراء، والتفوقيين البيض الذين يحتلون الآن البيت الأبيض. وقد خلعت الفاشية النيو-ليبرالية القفازات، وهي تلجأ الآن إلى الرعب الكامل لإبقاء الملونين تحت السيطرة. وتمت في سبيل ذلك عسكرة كل مساحة في الولايات المتحدة يشغلها الملونون.
    إن القتل المستمر وممارسة إرهاب الدولة ضد السود هو جزء من إيديولوجية للبيت الأبيض، والتي تروج الحجة الزائفة بأن البيض هم الضحايا الحقيقيون، وتُسندها جزئياً أوهام التفوقيين البيض عن الكابوس المزعوم لما يسمونه مواجهة البيض تهديداً بالإبادة الجماعية. والآن، يضع التفوقيون البيض المتعصبون، مثل ستيفن ميللر، سياسة الهجرة. وفي هذا العالم من المخاوف العنصرية ونظريات المؤامرة، من الملائم للبيض أن يكرهوا الأشخاص الملونين، وأن يعتنقوا فكرة أن المجال العام هو مساحة ينبغي أن تكون للبيض فقط. وقد أصبحت القواعد العنصرية للمعاناة، وعنف الدولة، والإقصاء عصية على الوصف، وبعيدة عن أي شعور بالمسؤولية الأخلاقية والاجتماعية. وأصبحت أميركا معسكراً مسلحاً وأصبحت الحرب على السود والملونين مصدراً للفخر أكثر من كونها مقدمات منذرة بالخطر. وتحولت العنصرية إلى وسام شرف للإدارة الحالية. وتتاجر هذه الإدارة بالإهانات العنصرية والتشجيع على عنف الشرطة، وتعتقد أن السود هم أكثر خطورة من الإرهابيين اليمينيين والنازيين الجدد والتفوقيين البيض. ويُنظر إلى الأشخاص الملونين في الخطاب السائد للتفوقية البيضاء على أنهم خارج حدود العدالة؛ وأن وجودهم يشغَل مساحة بين اللامرئي واللاموجود. وعلى نحو متزايد في ظل نظام ترامب، أصبح الملونون “بلطجية” و”سفاحين” محصورين في مناطق للهجر الاجتماعي، ويفتقرون إلى حقوق الإنسان، وغير معترف بهم كأرواح لها قيمة.
    في مقال له في “إسكوير”، يشرح تشارلز بيرس هذا الواقع كما ينبغي، عندما يكتب مشيراً إلى ترامب: “حيث تكون هناك كراهية، فإنه يزرَع الغضب. وحيثما يكون هناك جرح، يزرع السخط. وحيث يوجد الشك، يزرع اللايقين. وحيث يوجد اليأس، يزرع السُّم. وحيث يوجد الظلام، يزرع الدمار. وحيث يوجد الحزن، يزرع اليأس. هناك شيء يغذي روحه والذي يؤجج به روح البلد ليشتعل. ليس لديه شيء آخر. لا يستطيع تصور طريقة أخرى للعيش. إنه ينتمي إلى نوع آخر مختلف تماماً من الطفيليات”. وبعبارات أخرى، أصبحت إدارة ترامب محركاً للبؤس الاجتماعي، وآلة عقابية تسرّع من وفاة أولئك الذين يعتبرون فائضين، وعديمي القيمة، وغير مرغوب فيهم. إن نظام ترامب لاستخلاص الثروة، والعنف البيئي، ومذاهب الصدمة الاقتصادية، والأصولية الإيديولوجية، ومكافحة الفكر، وحكومة النفاق، حولت السياسة واللغة إلى سلاح عنصري، والعنف الذي تجيزه الدولة ضد السود إلى علامات مميزة لعقلنة السياسات الفاشية.
    إن ما نشهده في الوقت الحقيقي هو سياسة فاشية تؤمن بالنقاء العنصري، والداروينية الاجتماعية، وتدعم انهيار المساءلة الأخلاقية والسياسية. ونرى دليلاً عليها في شراسة لغة ترامب اليومية، كما يفعل، على سبيل المثال، عندما ينتقد مراسلاً صحفياً باعتباره يضع قناعاً يزعم بالصلاح السياسي، عندما يكون الصحفي مسؤولاً على المستوى الاجتماعي في واقع الأمر -وهي فكرة يحتقرها ترامب. كما نراها بأشكالها السامة الأكثر وضوحاً في ما فعله عندما صرح في أعقاب الاحتجاجات الجماهيرية: “عندما يبدأ النهب، يبدأ إطلاق النار”. وظل طوال الوقت يردد عبارة عنصرية أطلقها شرطة سابق في ميامي، والتر هيدلي، الذي كان يحب أن يتباهى بأنه لا يوظف سوى ضباط الشرطة البيض ويفخر باستخدامه العنف ضد السود. وما مِن جديد في قيام الشرطة بقتل السود. وليس ثمة جديد في تورط الولايات المتحدة في العنف الذي ترعاه الدولة عن طريق صناعة نظام سجن جماعي بعلامات عنصرية.
    الجديد هو أن عمليات القتل هذه أكثر وضوحاً الآن في العصر الرقمي فحسب؛ ومع ذلك لم يفعل أحد الكثير لإصلاح ثقافة عنف الشرطة أو الإرهاب الذي تفرضه الدولة العنصرية. وقد شاهد الأميركيون طفلاً عمره 12 عاماً، تامير رايس، وهو يلقى حتفه على أيدي الشرطة. وشاهدوا إريك غارنر وهو يتعرض للخنق حتى الموت من قبل الشرطة بزعم أنه يبيع السجائر في زاوية الشارع. وشاهدوا فريدي غراي وهو يُجرّ إلى صندوق شاحنة شرطة بالتيمور لأنه يحمل سكين جيب، ليموت بعد ذلك بوقت قصير؛ وشاهدنا توقيف ساندرا بلاند بسبب مخالفة مرورية بسيطة، حين تم سحبها من سيارتها، فقط ليتم العثور عليها لاحقاً معلقة في زنزانة مركز الشرطة. وشاهدنا فيلاندو كاستيل بينما تطلق الشرطة النار عليه أمام صديقته وطفلها الصغير. وشاهدنا جورج فلويد وهو يموت تحت ركبة شرطي بدا غير مبال بشكل مروع بينما نفس جورج الأخير يغادر جسده. وظلت تلك الركبة ضاغطة على عنقه لتسع دقائق، كما لو أنها أرادت إظهار أنها أكثر من مستعدة لأن تقف بفخر كرمز لما أطلق عليه روبرت شيتيرلي “الأداة الفظة للتاريخ (العنصري)”. وقد شاهدنا كيف تمت تبرئة الشرطة من جميع هذه الجرائم تقريباً، باستثناء وفاة فلويد حتى الآن. وشاهدنا بينما يدير كل شخص لديه سلطة تقريباً وجهه بعيداً. وشاهدنا بينما كان الجمهور يتابع عروض ألعابهم الليلية. وراقبنا بينما عادات العجز العام، ومؤسسة اليأس، وانهيار الشجاعة المدنية وهي تسقط مرة أخرى أمام إحساس حي بالمسؤولية الاجتماعية، والسياسة، والديمقراطية نفسها.
    ونحن نشاهد الآن وسائل الإعلام وهي تركز أقل على السياق التاريخي لعمليات القتل هذه، وتركز أكثر على اليساريين/ الأناركيين المتطرفين المزعومين الذين يركضون في الشوارع ويرتكبون ما يُزعم أنه العنف الحقيقي. ويتم وصف الأشخاص الذين يركضون في المتاجر ويأخذون أجهزة التلفزيون بالسارقين في حين أن المواطنين الأسرى، كما قال جيمس بالدوين ذات مرة، لا يسرقون، بينما مديرو صناديق التحوط، والمصرفيون، والمديرون التنفيذيون، والشركات الكبيرة، والبقية من فاحشي الثراء هم اللصوص الحقيقيون. إن الناس الذين سُرق منهم كل شيء، بما في ذلك حياتهم، لا ينهبون، إنهم يردُّون الضربة فقط لأن حياتهم تعتمد على شكل من أشكال العمل التي تمكن ملاحظته. والحرائق المشتعلة في مدننا مؤسفة، لكن الحرائق الحقيقية تمر من دون أن يلاحظها أحد. تلك النيران التي تحرق معنويات أولئك الذين يعانون من الصدمات اليومية، والمخاوف، وعنف الشرطة، والصعوبات المدفوعة بالسياسة هي ما تجب ملاحظته ومعالجته، وهي التي تثير مشاعر الغضب الجماعي. لا أحد يتحدث عن جذور هذه المشاكل، وأنا لا أقصد ببساطة أصولها في العبودية، وثقافة الإعدام خارج القانون، والعنصرية المؤسسية الراسخة، مهما كانت هذه الأحداث حاسمة. إنني أتحدث عن جذور سياسة فاشية، والتي يكون فيها المال أكثر أهمية من الناس، ويكون بعض الناس أكثر أهمية من الآخرين. إنني أتحدث عن شكل وحشي من الرأسمالية، والذي لا يتوافق مع أدنى قدر من الديمقراطية ويجب تدميره أو تغييره أو تعديله -أو جعله أكثر رحمة. إنني أتحدث عن عودة للفاشية في شكل محدَّث في الولايات المتحدة -فاشية غير اعتذارية وليست معنية بأن تخفي وجهها.
    إن الغضب والانفجارات التي نشهدها في جميع أنحاء الولايات المتحدة هي عمل مقاومة جماهيرية في الشوارع ضد مجتمع يعتقد أنه يمكن أن يقتل الناس الملونين مع إفلات من العقاب. إنه عمل مقاومة يرفض مستقبلاً يسوده العنف العنصري وعدم المساواة الهائلة والانحدار إلى غياهب الاستبداد. وهي معركة الجميع لأنها نضال من أجل المساواة والعدالة والديمقراطية الحقيقية.
    لقد أصبحت القوة المميتة للعنصرية المنهجية الآن في المقدمة والمركز من المجتمع الأميركي، وتمكن رؤيتها في الموت الواضح وغير الضروري للسود، في جيوب الفقر التي تغلي في العديد من المدن، وفي صور الرجال والنساء السود الذين روعتهم الشرطة تعتنق منطق مجتمع عسكرى عنصري. وقد أصبحت سلطة العنصرية المميتة الآن تحتل أعلى مستويات السلطة السياسية في الولايات المتحدة، والتي تتجلى رمزيتها في وجود دونالد ترامب وحزبه المتملق من التفوقيين البيض. وترامب هو نقطة النهاية للرأسمالية التي تعيش على محاليل إدامة الحياة. وهو يستمتع بتكثيف العنف العنصري وروح السياسة الفاشية. وفي أعقاب مقتل جورج فلويد، يكشف ترامب عن غرائزه الاستبدادية العسكريتارية من خلال تهديد المتظاهرين بالعنف وإطلاق “الكلاب الشرسة” و”الأسلحة المشؤومة” عليهم إذا هم خرقوا سور البيت الأبيض. وكما يجادل هارفي واسرمان، فإنه “نسرنا الإمبراطوري الذي عاد إلى الديار ليجثم”، وهو الرمز المعاصر لشرعنة عنف التطهير العنصري وطاعون إرهاب الدولة. إنه وجه الإرهاب الفاشي، لكنه مجرد الوجه فحسب. ثمة وراء هذه القشرة الوحشية القبيحة ما هو أسوأ بكثير.

*يشغل حالياً كرسي جامعة ماكماستر للمنح للمصلحة العامة في قسم اللغة الإنجليزية والدراسات الثقافية، وهو الباحث المتميز في باولو فريري في علم التربية النقدية. أحدث كتبه هي “عجز التعليم في أميركا والحرب على الشباب” (مطبعة برس ريفيو، 2013)؛ “حرب النيوليبرالية على التعليم العالي” (مطبعة هاي ماركت، 2014؛ “الجمهور في خطر: ترامب وخطر الاستبداد الأميركي” (مطبعة روتليدج، 2018)؛ و”الكابوس الأميركي: مواجهة تحدي الفاشية” (سيتي لايتس، 2018).

*نشر هذا المقال تحت عنوان: Racial Domestic Terrorism and the Legacy of State Violence

مقالات ذات صلة

إغلاق
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock