;
أفكار ومواقف

الإساءة والمؤامرة

 


يصر البابا بنديكت السادس عشر على أن اقتباسه لأقوال الإمبراطور البيزنطي مانويل باليولوغوس الثاني المسيئة للإسلام لا تعبر أبدا عن رأيه. وهو إذ أسف على إساءة فهمه من قبل المسلمين، فقد أكد على الحوار “والبحث عن دروب المصالحة والعيش ضمن احترام هوية الآخر”، بحسب التصريح الصادر يوم السبت الماضي عن أمين سر دولة حاضرة الفاتيكان الكردينال تارشيزيو بيرتوني.


لكن يبدو أنه حتى بعض الغربيين المختصين بشؤون الفاتيكان لا يعتقدون بأن أقوال الحبر الأعظم أو اقتباساته كانت مجرد سوء تقدير للعواقب، أو أنها أخرجت من سياقها. فبحسب جون ألن الابن (John L. Allen Jr. )، مراسل مجلة “The National Catholic Reporter” في الفاتيكان، فإن البابا كان مدركا تماما لأقواله، وبرغم رغبته في التعايش مع الإسلام، لكن البابا يريد للوصول إلى ذلك حوارا صريحا بـ”أسنان”! ومن ثم، فإن تصريحاته في ألمانيا إنما جاءت في هذا السياق، بهدف خلق تمايز بينه وبين سلفه جون بول الثاني من ناحية موقف أكثر تشددا فيما يتعلق بالأصولية الإسلامية.


على الطرف الآخر، أي الطرف الإسلامي، وفي زمن التأثير الديني المتصاعد في السياسة الدولية الغربية، ولا سيما الأميركية، وخوض حروب الفوضى والتدمير باسم الدين، بدا متوقعا القول بتفسيرات لأقوال البابا بأنها تعبير عن “حقد دفين”، وصولا إلى القول بأن الإساءة ليست إلا جزءا أو حلقة ضمن “مؤامرة صليبية” جديدة على المسلمين!


تفسير المؤامرة جدير بالتوقف، بل وحتى التصديق؛ وإذا كان لنا أن نبدأ من النتيجة فإن من الضروري مواجهة الحقيقة بالإقرار بأن هناك مؤامرة تدور فعلا على العرب والمسلمين!  وأيا كان الطرف المتواطئ فيها، فإن ثمة طرفا واحدا معروفا حتى الآن وإن بقي مجهول الهوية، وهذا الطرف ليس البابا والفاتيكان، بل هم أولئك الذين قاموا باستهداف الكنائس العربية تحديدا في سياق ردات الفعل على تصريحات البابا، وأولئك الذين أقدموا على قتل راهبة مسيحية في العقد الثامن من عمرها رميا بالرصاص في مقديشو بالصومال، داخل مستشفى الأطفال الذي تعمل فيه!


الاعتداء على الكنائس العربية تم في العراق وفلسطين؛ وإذا كان العراق يعيش منذ الغزو الأميركي كل ظروف الفتنة الدينية والطائفية والعرقية، وكان قد شهد في آب من العام 2004، وعلى سبيل المثال لا الحصر، موجة إرهاب استهدفت الكنائس تحديدا، فإن المؤشر الأهم على المؤامرة التي تستهدف اليوم الأمتين العربية والإسلامية يبدو صارخا في استهداف الكنائس في فلسطين، التي ظلت تجسد منذ الفتح رمز التعايش العربي الإسلامي-المسيحي، ورمز المقاومة والصمود الإسلامي-المسيحي للاحتلال الإسرائيلي. فبعد استهداف سبع كنائس في أراضي السلطة الفلسطينية تحديدا، تخرج جماعة مجهولة تسمى “جماعة جيش الهدى” في غزة، مهددة باستهداف من اسمتهم “الصليبيين” في القطاع إذا لم يعتذر البابا عن تصريحاته!


وإذا كان استهداف مواطن أميركي أعزل، على سبيل المثال، لا يمكن توصيفه إلا بالإرهاب، فبماذا يمكن توصيف الاستتار خلف الغضب من البابا للاعتداء على مواطنينا المسيحيين؟ وهل يعقل أن يكون التنديد بتصريحات البابا من خلال إطلاق الرصاص على أنفسنا؟! حتما لا، ولذلك فإن فعل الاعتداء على الكنائس، كدور عبادة من حيث المبدأ، والتي هي ثانيا كنائسنا نحن العرب، مسلمين ومسيحيين، يكاد يكون الجانب الوحيد الظاهر والمؤكد من مؤامرة تحاك على الأمة العربية والإسلامية.


هذه المؤامرة لا تطال الجغرافية العربية والإسلامية ومن عليها فقط، بل تمتد إلى العالم أجمع حيث يوجد مسلمون. فالاعتداء على الكنائس العربية سيفضي إلى انتقام من المسلمين الغربيين المهددين أصلا، وهو ما حدث فعلا من خلال الاعتداء على المسجد المركزي بلندن. 


لكل ذلك وغيره، محق من يتحدث عن مؤامرة تحاك على العرب والمسلمين، وهي مؤامرة لم تبدأ بتصريحات البابا المسيئة للإسلام وللرسول الكريم، بل بدأت مبكرا جدا، وليس الاعتداء على الكنائس في مصر في نيسان الماضي، وقبلها في العراق، إلا مؤشرات على هذه المؤامرة والتي سيكون مصيرها محكوما، ضمن عوامل أخرى، بردات فعلنا على الإساءات التي تطالنا هنا وهناك.


ولذلك، فإن كان من غضب عاقل (بتعبير الشيخ يوسف القرضاوي رئيس الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين) نواجه به الإساءات والتشويهات التي تمس ديننا الحنيف، وتمسنا بالتالي، فذلك يكون بإثبات عكس ما يقال من افتراء. وأيا كان هدف هذه الإساءات، فإن منع وصولها إلى مستوى “المؤامرة” الناجزة والناجحة لا يكون إلا بتعزيز جبهتنا الداخلية وصيانتها من زرع الشقاق بين أبناء البلد الواحد، وأبناء الحضارة الواحدة، مسلمين ومسيحيين.


[email protected]

زر الذهاب إلى الأعلى

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock