فكر وأديان

الإسراء: منحة في زمن المحنة

د.محمد المجالي

هو الإسلام العظيم، الرسالة الخاتمة، نعيش من أجله ونعتقد اعتقادا جازما مطلقا أنه حق وخير، أكمله الله ورضيه لنا، نضحي من أجله، وندعو إليه، ونقتدي في ذلك برسول الرحمة صلى الله عليه وسلم، الذي ما إن أنزل الله عليه الرسالة المفتَتَحة بـ (اقرأ)، ليردفها بـ (قم فأنذر)، ويرشده إلى التزود بـ (قم الليل إلا قليلا)، فهي رسالة عظيمة ينبغي –إن كنا محبين حقا لها ولرسولنا- أن نعيشها واقعا عمليا، ونتحمل في سبيل تبليغها الصعاب كلها، تماما كما فعل قدوتنا صلى الله عليه وسلم.
يعرض النبي دعوته على الأقوام، يصدونه ويستهزئون به، ويتهمونه بأقبح النعوت من الكذب والسحر والكهانة والجنون، وهم الذين ناقضوا أنفسهم حين نعتوه من قبل بالصادق الأمين، وهم الذين لا يجدون رجلا أكثر أمانة منه ليضعوا عنده أموالهم، ولكنه الكبر والجحود والهوى رغم تيقن أنفسهم بصدقه. ولا ييأس صلى الله عليه وسلم، فيعرض نفسه على القبائل لينظر من يحميه وهو يبلغ دين الله، بعد أن صده قومه، ويذهب إلى الطائف، ولكنهم آذوه أي أذى، وأدموا قدميه الشريفتين، ولم ييأس، فهو يعلم أن مع العسر يسرا، وما هو إلا وسيلة لتبليغ هذا الدين، وصاحبه هو المتكفل به في الحقيقة، فما عليه وعلينا إلا البلاغ وإتقان الدعوة.
بعد عودته من الطائف ينزل عليه ملك الجبال ليستأذنه في أن يُطْبِق على قريش جبالها وينتقم منهم، ولكنه يقول بلغة الرحمة ويقين المتوكل على الله: “لعل الله يخرج من أصلابهم من يعبد الله”، يقول ذلك رغم مشقة الحال في ذلك العام، حيث مات أكثر ناصريه، عمه أبو طالب، وزوجه خديجة، فقلبه مرتبط بالله، الذي بيده ملكوت كل شيء، لا إله إلا هو سبحانه.
في تلك الحالة يكرم الله سبحانه نبيه صلى الله عليه وسلم بأمرين: حيث أنزل عليه سورة يوسف، وأكرمه برحلة الإسراء والمعراج، وخلاصة سورة يوسف هي (إن مع العسر يسرا)، ففي عرف البشر لا يمكن تخيل أن طفلا صغيرا يلقيه إخوته في بئر ليتخلصوا منه، وفي اعتقادهم أنه ميت أو على الأقل مستضعف، ليأتوا إليه فيما بعد يطلبون منه الميرة، وهو السيد وهم الضعفاء الذين يستجْدونه أن يعطف عليهم، وكأن لسان الحال يقول لمحمد صلى الله عليه وسلم: يا محمد، لست وحدك على هذا الطريق، فقد سبقك إخوة لك من النبيين، وامتُحِنوا وصبروا، فاصبر كما صبروا، ويوسف عليه السلام هذا قد تعرض لمحن كثيرة، فانظر حاله وسيادته.
وكانت رحلة الإسراء والمعراج، ليست رحلة إلى الآفاق فحسب، ليخرج صلى الله عليه وسلم من ضيق الدنيا إلى آفاق السماء بقدرة الله، وكأنها تقول له لا تأبه لهؤلاء، فأنت أسمى من أن ينالوا منك ومن دعوتك، ويتم الإسراء به إلى المسجد الأقصى، وهو الفتح المعنوي للمسجد، ويصلي بالأنبياء جميعا، علامة على نسخ شرائعهم، وأنه إمامهم وأفضلهم، ويعرج الله به إلى السماوات، ويقترب من سدرة المنتهى، ويكلم ربه سبحانه، ويفرض عليه الصلاة، ويرى من آيات ربه الكبرى.
وفي سورة الإسراء (والعجيب أن عدد آياتها مثل سورة يوسف 111 آية)، حيث يقص الله تعالى علينا في آية واحدة فقط موضوع الإسراء، وبعدها يتحدث عن بني إسرائيل، وإفسادهم في الأرض مرتين، وهي الأرض إياها المباركة التي حول المسجد الأقصى، أو ما بين المسجدين، أو الأرض كلها، كما هو واقع العالم اليوم، وكأني بالآيات تقول للمسلمين، لئن تعرض نبيكم إلى الأذى فصبر وأكرمه الله بما أكرمه، فأنتم ممتَحَنون أيضا بما امتُحِن به نبيكم، ولعل أكثر محنة تعانون منها هي هذا العلو لعدوكم القديم الجديد، حيث بنو إسرائيل، وبسط نفوذهم عليكم، وسيطرتهم عليكم، فاصبروا، وخذوا بأسباب القوة، فأنتم لا شك منتصرون، وذكر الله الإفسادين ومن سينهيهما من العباد أولي البأس الشديد، حيث العزائم القوية، والبصائر النافذة، والزاد الفكري الذي أصله القرآن، إذ سورة الإسراء أكثر سورة ذُكر فيها القرآن، بل الآية التي تبعت الحديث عن الإفسادين وإنهائهما هي قوله تعالى: “إن هذا القرآن يهدي للتي هي أقوم”.
نعيش في واقعنا الآن أزمة إيمانية وبعدا عن الله ومنهجه والثقة فيه، وحيرة من أمرنا فيما وصلنا إليه من أوضاع سياسية وفرقة ويأس عند قطاع كبير من الناس، خاصة الشباب المفتون بالغرب والشهوات والشبهات، إلا من رحم الله، ونلحظ اجتماع الدول علينا، فهم من أوصلونا إلى هذا الحال المتردي، ويمنعون أي صعود للإسلام، يناقضون أنفسهم في زعمهم نشر الحرية والديمقراطية، وإن وصلت إلى ديار المسلمين ففي المسألة نظر!!
هذا الواقع لا يغير من عقيدة المسلم بربه شيئا، هي الفتن إياها مع تلون أشكالها، وهو التحدي، وهي سنة المدافعة التي ترشدنا إلى أن ننهض متوكلين لندفع الباطل بما عندنا من حق، فالحق أبلج والباطل لجلج، لكنه حق ينتظر أهله أن يقفوا معه ولا ييأسوا، ويصلحوا شأنهم مع الله، ويوحدوا صفوفهم بعد أن تتوحد قلوبهم وتصدق نياتهم مع الله، ويترفعوا عن سفاسف الأمور التي لطالما فرقتهم فتنازعوا وفشلوا، فالنصر صبر ساعة، لكنه صبر الموقن بربه الملتزم بصراطه المستقيم.
نأخذ من الإسراء درس اليقين بالله والاعتصام به: “ومن يعتصم بالله فقد هُدِي إلى صراط مستقيم”، وحسن التوكل عليه: “ومن يتوكل على الله فهو حسبه”، والتصميم على المضي في الطريق رغم المشقة: “والذين جاهدوا فينا لنهدينهم سبلنا”، لعل الله أن يعجّل بالفَرَج، فمهما طال الليل لا بد من بزوغ الفجر، وإن مع العسر يسرا، “والله غالب على أمره، ولكن أكثر الناس لا يعلمون”.

مقالات ذات صلة

شاهد أيضاً

إغلاق
إغلاق
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock