أفكار ومواقف

الإسلاميون ونصيحة بن كيران

تغير وجه المنطقة. هذا أمر محسوم بعد أن عشنا سنوات صعبة سميت جزافا بـ”الربيع العربي”، نهضت على إثرها قوى شعبية وسياسية، وتراجعت أخرى.
على صعيد الحركات الإسلامية؛ “انقلاب” حركة المقاومة الإسلامية حماس، وسيطرتها على قطاع غزة في العام 2007، أدى إلى نشوء سلطتين تنفيذيتين فلسطينيتين، وانقسام حاد في المكون الفلسطيني ككل، مهد إلى استقطاب كبير مارسته السلطتان، واستطاعت كل واحدة منهما جلب أصدقاء إلى صفها، كما أنهما جلبا أعداء إلى الصفين.
الأنظمة العربية الرسمية كانت قريبة جدا من المشهد، وانحازت معظمها إلى أحد الفريقين، بحسب أولوياتها وقربها من إحدى السلطتين. دول الاعتدال العربي انحازت إلى السلطة الوطنية باعتبارها “الشرعية” والأكثر تقبلا لدى عواصم صنع القرار العالمية، وأيضا بسبب وضوح البرنامج الوطني الذي تنتهجه، وتحاول من خلاله إقامة الدولة.
حماس، هي الأخرى استقطبت أصدقاء يؤمنون بالمقاومة كحل نهائي للخلاص من الاحتلال، خصوصا أن ذلك جرى قبل المراجعات الحاسمة للحركة، والتي قادت إلى تنازلات سياسية اعتبرها مراقبون مهمة من أجل أن يتم قبولها في المشهد الدولي.
الحركة الأم؛ الإخوان المسلمون، عاشت تقلبات كبيرة هي الأخرى. فمنذ عقود طويلة ظل المجال مفتوحا أمامها للعمل وفرض تأثيراتها على المجتمعات، في حين إنها التقطت إشارة الاحتجاجات الشعبية العربية، واستغلت ثقلها داخل المجتمعات العربية، فحشدت كوادرها في الشارع، واستطاعت أن تحصد أول وصول لها إلى السلطة في مصر، أي أكبر بلد عربي!
الإنجاز اعتبر تحولا جذريا في عمل الحركة، منحت من خلاله “الأمل” للحركات الشقيقة في البلدان العربية للأخذ بزمام المبادرة من أجل تحقيق نجاح آخر. ربما كان هذا التفكير هو ما قاد بعضها إلى سلوك استعلائي، قدمت فيه خطابا “خشنا” تجاه الأنظمة، ولم يخل من تهديد واضح، خصوصا أنه كان محمولا على ثقل تركي حاول استعادة دوره القديم في المنطقة، في مقابل إيران التي خسرت تعاطف الشارع معها في الوقت الذي استطاعت فيه أن تكون متواجدة، فعليا، فوق الأرض في أكثر من بلد عربي.
الأمر كان ليصبح أنموذجيا أمام حركة الإخوان المسلمين لو سارت الأمور على ما يرام، لكن الإطاحة بحكم الرئيس المصري محمد مرسي، ومن خلفه مكتب الإرشاد، وسجن قيادات التنظيم وتجريمها، أعاد خلط الأوراق من جديد، خصوصا مع حملة إعلامية ضخمة سعت إلى “شيطنة” الحركة التي ساهمت هي الأخرى في تشويه صورتها بسبب أخطاء في الحكم للرئيس ومن هم حوله من المحسوبين على الإخوان المسلمين.
رغم الخطاب الاستعلائي الذي مارسه قادة التنظيم الإسلامي في أعقاب الإنجاز المصري، إلا ان الأردن ظل يتعامل مع الحركة باعتبارها أمرا واقعا، وجزءا من المكون المجتمعي. ونعم، قاوم دعوات وضغوطات للتضييق على الحركة، ما قاد إلى بعض التوترات، أحيانا، بينه وبين بلدان أخرى، خصوصا تلك التي سعت إلى تجريم الحركة ووصمها بالإرهاب.
الحديث الذي أدلى به رئيس الحكومة المغربية الأسبق عبد الإله بن كيران، مؤخرا، ونصح خلاله جماعة الإخوان المسلمين بالانتباه جديا والتعبير عن الامتنان الشديد للأردن بسبب مقاومته الضغوط التي تستهدف التنظيم، هو حديث شفاف جدا، عبر فيه أحد الإسلاميين الذين اختبروا التهميش والإقصاء والملاحقة عن كيفية العيش في ظل العمل السري بسبب تحديات داخلية عاشها بنفسه في بلده المغرب، ومقارنتها بالعمل تحت الشمس، وبحرية العمل والحركة المتاحة للتنظيم في الأردن، خصوصا مع وجود دول تجرم ابتداء الانتماء للتنظيم.
التنظيم أعاد ترتيب أوراقه في الأردن في أعقاب الهزيمة في مصر، كما أعاد السيطرة، نوعا ما، على خطابه الذي بدا منفلتا جدا قبل سنوات، إلا ان تلك السنوات أفقدته الكثير من الشعبية والتعاطف.
لا نأخذ نصيحة بن كيران بحرفيتها، ولكن على الحركة أن تعيد صياغة أهدافها ونهجها، خصوصا أن كيفية عودتها إلى شعبيتها المعتادة هو سؤال المليون اليوم إن كنا نتحدث عن انتخابات مقبلة يتأسس فيها مفهوم الحكومات البرلمانية، وإلا فإنها ستظل تستنزف رصيدها في الشارع، ليصبح التنظيم بالتالي شبيها بالعمارة المهجورة!

زر الذهاب إلى الأعلى

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock