فكر وأديان

“الإصلاح الديني” على نهج “الإصلاح الاقتصادي” .. تخريب!

أسامة شحادة

لا تنقطع المقالات والدعوات والندوات المطالِبة بالإصلاح الديني والإصلاح الاقتصادي في عالمنا العربي والإسلامي، وتبرر هذه المطالبات بكونها ضرورة للخروج من حالة التخلف والفقر اقتصاديا، وحالة التطرف والغلو على الصعيد الديني.
وإذا كانت نتائج تجارب برامج الإصلاح الاقتصادي التي يقودها البنك الدولي وصندوق النقد الدولي في الغالب هي الفشل الذريع العاجل كما في تجارب الهند وبنغلاديش وتايلند وأندونيسيا ومصر والأردن وغيرها من الدول حيث لم ينتج عنها إلا زيادة انهيار الاقتصاد والعملة وتفاقم البطالة والفقر وتضخم المديونيات، وذلك أن وصفات الإصلاح الاقتصادية هذه تقوم على مصيبتين، هما القروض الربوية المحرمة والماحقة للبركة والملعون كاتبها وشاهدها وآخذها ومعطيها، ومصيبة التضييق على الفقراء ومحدودي الدخل بفرض المزيد من الضرائب ورفع نسبها وتقليل الدعم للحاجيات الأساسية وتسريح الكثير من العمال!
ومن يقدم هذه الوصفات الكارثية “لإصلاح الاقتصاديات الوطنية” مجموعة من “الخواجات” سواء كانوا خواجات أصليين أو خواجات مصطنعين من بني جلدتنا مع الأسف.
ومن تفحص كارثة نمور آسيا (خاصة ماليزيا وأندونيسيا وتايلند) في العام 1997م سيجد أن من قبِل وصفات الإصلاح الاقتصادية الدولية كتايلند وأندونيسيا غرق أكثر في كارثة الأزمة المالية بينما نجت ماليزيا من الكارثة بسبب رفضها لوصفة إصلاح صندوق النقد الدولي، وقد شرح ذلك الرئيس مهاتير محمد في سيرته الذاتية.
ولو انتقلنا للمقارنة لدعوات الإصلاح الديني التي تطالب بها منابر ومؤسسات وشخصيات علمانية! وتُعقد من أجلها الورشات والندوات، ولتحقيقها تبث الفضائيات مئات الساعات لحوارات مع دعاة الإصلاح الديني مِن عتاولة العلمانية واليسار، بل وبعض الملحدين الذين لا يملكون من الدين والإسلام إلا أن اسمه محمد أو عبد الله!! فسنجد أن هذه الوصفات الإصلاحية الدينية تضاهي وصفات الإصلاح الاقتصادي، فهي من نتاج خواجات، سواء كانوا مستشرقين على الطريقة القديمة أو باحثين متخصصين في الشؤون الإسلامية بحسب المصطلح الحداثي، أو كانوا من نتاج الخواجات من أبنائنا، ومؤخرا انضم لهذه الجوقة عدد من الشخصيات التي مرت في حياتها بطريق الدعوة الإسلامية والعمل الإسلامي الحركي عبر الجماعات والحركات والأحزاب الإسلامية إلا أن خلل وأخطاء هذه التجارب والهيئات والفشل الذي نتج عن ذلك سبّب صدمة لهؤلاء، وبدلاً من معالجة الخلل والأخطاء بموضوعية وتسديد انتقلوا لمربع الإصلاح الديني من منظور علماني وحداثي تحت وطأة الهزيمة النفسية والانكسار الفكري وتحطم الانجازات وانتصار الخصوم والأعداء.
أما من حيث المضمون فهي أيضا تنبع من أرضية مخالفة ومعادية للدين، فكما أن الإصلاح الاقتصادي قام على الربا فإن دعوات الإصلاح الديني تقوم على محاربة الوحي الرباني في القرآن والسنة، فإما هي دعوات للتشكيك في سلامة النص القرآني كما فعل الجابري، أو مطالبات بتقسيم القرآن بين تشريعي وغير تشريعي ومن ثم تحريف مفاهيم التشريعي كما فعل محمد شحرور، أو دعوات لاعتبار القرآن والسنة نصًّا كأي نص بشري لا مزية له على غيره كما فعل نصر حامد أبو زيد، أو دعوات لإقصاء السنة كاملة كمطالبات القرآنيين وعلى رأسهم أحمد صبحي منصور، أو طعن في صحيح البخاري كما فعل زكريا أوزون.
ومن لم يكن لديه الجرأة لمهاجمة الوحي الرباني في القرآن والسنة لجأ للهجوم على بعض العقائد والمفاهيم الإسلامية كعقيدة الولاء والبراء باعتبار أنها مصدر للتطرف والتكفير حتى يفتح الباب للأعداء ليشرعنوا احتلالهم وعدوانهم على بلاد الإسلام وشعوبه وحتى يوهنوا من تكاتف المسلمين جميعا في قضاياهم، وتخيل كم هي الفائدة والمكسب الذي يجنيه الصهاينة حين نحطم عقيدة الولاء والبراء التي توجب على كل مسلم في أي بقعة من بقاع الأرض نصرة المسجد الأقصى والذود عنه، ولعل هذا الارتباط الروحي والديني لدى كافة المسلمين بالمسجد الأقصى هو جدار الحماية الأخير له والذي يجب تفعيله بذكاء لما فيه من قوة عظيمة جدا للأسف يدرك الصهاينة حقيقتها ويجهل غالب المسلمين وقياداتهم قدرها!؟ وتخيل كم هو مقدار الخيانة والعمالة للصهيونية التي يقدمها هؤلاء باسم الإصلاح الديني!
وعقيدة الولاء والبراء هي خلف نصرة المسلمين لأهلنا في سورية والعراق واليمن من الإرهاب الطائفي وأهلنا الأيغور في الصين والأركانيين في بورما الذين تبيدهم السلطات لكونهم مسلمين فقط، العجيب أن من يحاربون عقيدة الولاء والبراء يطالبون المسلمين بالولاء المطلق لأجندتهم العلمانية المتطرفة العالمية!
وبعض آخر تولى مهمة مهاجمة بعض الشعائر والعبادات بالتحريف كما يفعل شحرور مع بعض أركان الإسلام كالصيام والحج، أو بالمطالبة بالإلغاء والإبطال لأحكام الشريعة في الزواج والطلاق والميراث، مما يجر المجتمعات المسلمة للفوضى الأخلاقية والاجتماعية كما هو حال الغرب الذي زاد فيه معدل ولادات الزنا عن نصف عدد حالات الولادة! وانتشرت فيه الأمراض الجنسية الفتاكة وتدنت فيه نسب تكوين الأسر حتى أصبحت هذه المجتمعات والشعوب مهددة بالانقراض ويتحتم عليها استقبال الهجرات الشابة لتعويم الحياة فيها!
إن هذه المطالبات بإبطال أحكام الشريعة واعتماد القوانين المدنية بدلا عنها مطالبات مشؤومة، وقد تبدي بعض شؤمها في ما شهدته العاصمة عمان مؤخرا من جرائم قتل وتعدٍّ من قبل رواد البارات في الشوارع علنا، فكيف سيكون حالنا إذا سُمح بالزنا والشذوذ والفواحش باعتبارها حقوقا مدنية وإنسانية؟
ولنا في تجربة تونس نموذج حين أزاحت بعض أحكام الشريعة في قضايا الزواج والطلاق وأخذت تنادي بتبديل أحكام الميراث ومنع النقاب، فكانت النتيجة ظهور شرذمة منحلة في المجتمع بلغت بها الوقاحة أن تدفع منير بعطور رئيس جمعية الشذوذ في تونس لترشيح نفسه لمنصب رئيس الجمهورية؟
هذه حقيقة دعوات الإصلاح الديني التي يقوم بها خواجات الخارج والداخل، دعوات للخراب والدمار على غرار دعواتهم للإصلاح الاقتصادي، فهل نتعظ قبل فوات الأوان، وندرك أن الإصلاح الديني في الإسلام ينبع من داخله باعتماد الوحي الرباني وعلى يد علمائه المخلصين؟

مقالات ذات صلة

إغلاق
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock