أفكار ومواقف

الإصلاح بالعودة إلى الذات

نسيء إلى أنفسنا كثيرا بهذا الإسراف بالإشغال والانشغال بقصص وأحداث ومسرحيات هي في أحسن وصف لا تضرّ ولا تنفع ولا تقدم ولا تؤخر، وفي مقدور الحكومة وامتداداتها تأدية واجبها الذي أقسمت على القيام به بدون إغراق في دعاوى والتزامات يعرف جميع الناس أن لا أحد من الوزراء والمسؤولين يؤمن بها، وإن كانوا يعتقدون بالفعل أنهم بذلك ينالون الإعجاب والتأييد فلا بد أنهم لم يكتشفوا بعد أن الحرب العالمية الأولى قد انتهت. وأنه يوجد في البلد أربعة ملايين جامعي ويذهب إلى المدارس مليونا مواطن، وبالطبع فإن الذين يغرقون شبكات التواصل بقصص الحسبة والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر كما زيارة مطعم شعبي أو كشك لبيع الكتب يعلمون تماما أن أحدا لا يأخذها على محمل الجدّ، ويدركون أيضا أن كل من يستطيع العدّ من واحد إلى تسعة (كان استخدام الصفر ثورة معرفية أسست لأنظمة التمويل والبنوك كما العلوم) لكن لسان الحال نعرف أنكم تعرفون وسنظل نراكم لا تعرفون شيئا، وفي واقع الحال فإنها عمليات تخويف وتهديد للمواطنين.
وربما كان أفضل لو استغنيت عن المقدمة السابقة ودخلت في الموضوع مباشرة ومضيت في المسرحية متظاهرا بعدم فهم أن شبكات الانترنت والتواصل تعمل لصالح الأكثر تنظيما والأكثر نفوذا والأكثر مالا، وأن الأفكار السائدة لا تعبر عن الطبقة السائدة، فليس معقولا أن هذه الطبقة التي منحتها العناية الإلهية كل أسباب المعرفة والتأثير والارتقاء بالذات هي التي تخرج وتنشر قصصا وحكايات عن مداهمة حفلة في مزرعة أو شجار في شارع ويا للمصادفة كان هذا الشجار على النحو الذي رأيناه ثم جرى تداوله على هذا النطاق على نحو عفوي بريء، مجرد هوس شعبي وجماهيري بهذه القصص، لا يعقل بالطبع أن الشباب تعلموا في هارفارد ويستمعون إلى موزارت وباخ يمارسون هذا التسخيف! وحتى بائع الخردوات الذي جنى ملياراته المعفاة من الضرائب وأصبح عاجزا عن الاستمتاع بشيء في هذه الدنيا لم يعد يجد متعة في الحياة سوى الإساءة إلى الناس وشتمهم! لكن حتى لو كان المواطنون وليس المسؤولون يحبون ذلك فماذا فعلت هذه النخب على مدى مائة سنة هي عمر الدولة الحديثة للارتقاء بالفهم والذائقة والتعليم؟ وكيف صاروا رائعين من دون الناس؟!
في مقدورنا ولدينا فرصة كبيرة للتأثير في السياسات العامة والاتجاهات المجتمعية والفردية باتجاهات إصلاحية تحسن حياة المواطنين وتطور الاقتصاد الوطني من غير كلفة سياسية أو مالية، وكل ما نحتاج إليه أن نفكر بكثير من حسن النية وقليل من الخيال في العدالة الضريبية وعدالة التوزيع والفرص وعدالة وكفاءة الانفاق العام، وما يمكن أن نفعله بمئات الملايين التي ننفقها متوهمين أننا نتقرب بها إلى الله لكن الله يريد منا غير ذلك، المساجد يمكن إدارتها كاملة بالمتطوعين من غير حاجة لموظفين وإن كان ثمة حاجة للتوظيف فليس من المال العام، والأضاحي التي أنفقنا لأجلها في الأردن عشرات الملايين وأنفق المسلمون فيها مليارات يمكن أن تنشئ آفاقا وأدوات للتنمية وتحسين الحياة، ومؤكد أن هذا يرضي الله أكثر من ذبيحة دفع المؤمن عشرة أضعاف ما دفعه المستورد الذي أحضرها من أستراليا ونيوزيلندا، الأستراليون والنيوزيلنديون أنشؤوا أفضل الجامعات وأنظمة الرعاية الصحية والاجتماعية ومستويات المعيشة في العالم بمزارع الأغنام التي نقدمها قرابين! ولا يحتاج أحد إلى الحكومة لتعلم الناس الدين في المدارس وفي ذلك يمكنها أن توفر مائة مليون دينار سنويا على الأقل، ويمكنها أن تدمج المحاكم الشرعية في المنظومة القضائية وفي ذلك عدالة افضل ووفر مالي كبير، كل ذلك وغيره يمكن أن نفعله من غير أن نغضب الله أو نعارض نصا دينيا، لم يطلب الله من أحد ولا أرسل إلى نبيه ما نفعله اليوم لأجل الدين.
ويمكن بتحويل المدارس الى مختلطة على مستوى الطلاب والادارة لتحسين الاستيعاب وتطوير واستقطاب الكفاءات التعليمية وبناء تماسك اجتماعي ومعرفة للناس ببعضهم وبناء فضائل اجتماعية أفضل من العزل الذي لم يأمر به الله.
وأخيرا يمكن للبلديات والمنظمات الاجتماعية والأهالي أن يشاركوا في إدارة وتنظيم الخدمات الأساسية والأولويات والاحتياجات وتحسين الحياة، ويفعلوا الكثير،.. لكن يجب أن يكونوا شركاء حقيقيين.

مقالات ذات صلة

إغلاق
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock