أفكار ومواقف

الإصلاح للجميع وبالجميع

الباحث في الفكر السياسي البشري، يلحظ التوجس كأحد المظاهر المصاحبة للتطوير والاصلاح السياسي، وهو توجس مبرر، لأن أي دعوة للتغيير والتطوير، تثير تساؤلات ومخاوف الأفراد والجماعات على مكتسباتهم ومستقبلهم السياسي والاقتصادي والاجتماعي، وهذا مفهوم ومشروع، فأكثر سيرورات الإصلاح نجاحا هي تلك التي تستطيع أن تجعل الاصلاح والتطوير “مكسبا” للجميع، وغاية تصب وتراعي تكافؤ الفرص للجميع وتحقق الطمأنينة، والاخيرة هذه مبدأ دستوري تلتزم الدولة بتحقيقه سندا لأحكام الدستور، حيث نصت المادة 6/3 منه: “ … وتكفل الطمأنينة وتكافؤ الفرص للجميع”.
وأفضل طريقة لجعل الإصلاح “مكسبا” للجميع هو التوافق على اهداف عليا للشعب، يكون في تحقيقها ضمان لمستقبل ومكتسبات الجميع، وتحقيق مجتمع العدالة والانتاج وتكافؤ الفرص في جميع المجالات.
والحقيقة ان الاهداف العليا لمستقبل الشعب مرسومة في الدستور رسما نبيلا، شريطة تحقيق وتكريس نصوص الدستور، وإزالة أي تشوهات لحقت به، وأول تلك الاهداف العليا هي الديمقراطية التي هي حكم الشعب للشعب وبالشعب، وقد نص الدستور بوضوح على هذا المبدأ في نص جامع مانع في المادة “24” منه والتي تقرأ “الأمة مصدر السلطات”، حيث تمارس الأمة سلطاتها على النحو المبين في هذا الدستور. وصحيح ان الديمقراطية ليست صندوق انتخاب وحسب، ولكنها لا تكون بغير صندوق انتخاب، وليس اي انتخاب لكنه انتخاب حر نزيه ممثل تمثيلا حقيقيا للشعب يراعي المساواة، ولكن ليس على حساب العدالة والنزاهة التي يجب ان تكون حاضرة في العملية الانتخابية من بداياتها التشريعية في قانون واضح سهل ينص على الحقوق الانتخابية في القانون ذاته، ويترك للأنظمة القانونية والتعليمات الامور الاجرائية، ولا تنتهي بالعمل الدؤوب على تكريس ثقافة الديمقراطية المتمثلة في قبول التنوع والتسامح وقبول الآخر، وذلك ضمن تحرك وطني شامل يجذر هذه الثقافة في التعليم اساسا، وفي مناحي الثقافة عامة: الإعلام والمسرح والادب وكافة مناحي الثقافة الاخرى.
يذكر في هذا المجال ان قوانين الانتخاب إضافة الى كونها آلية وضع ممثلي الشعب في البرلمان، فإن لها مهمة تاريخية اساسية؛ وهي صهر الشعب في بوتقة الدولة تحت عنوان المواطنة، والحقيقة أن تجارب الشعوب هي مادة مرجعية في تحديد أنظمة الانتخاب، ولكن نجاح نظام انتخاب في بلدٍ ما ليس بالضرورة معيارا لنجاحه في دولة ثانية، فإن القوانين بطبيعتها يجب أن تعكس حاجات الشعوب الخاصة وتراكم تجاربها الذاتية، ولهذا فإن المتطلب اللازم منطقيا وسياسيا وقانونيا لوضع قانون انتخاب او اي قانون من قوانين الحياة السياسية هو تحديد الاهداف الوطنية النبيلة العليا، والاتفاق والتوافق عليها وعلى مفهومها.
وثاني تلك المبادئ سيادة القانون، دولة سيادة القانون هي الاختراع الانساني الحديث الذي أسس ويؤسس للسلم والأمان الاجتماعي، وهو الشرط الاساس في بناء المستقبل سياسيا واقتصاديا واجتماعيا، وبغير سيادة القانون لا اصلاح ولا تطوير، بل نكوصا ودمارا للمستقبل ومقامرة بمستقبل الاجيال المقبلة، ومبدأ سيادة القانون يبدأ بالدولة ومؤسسات الدولة كافة، والتي هي على مدار التاريخ النموذج الذي يحتذى به لتطبيق هذا المبدأ، باعتباره النموذج الذي يجعل تطبيق القانون ثقافة شعب وافراد ومصلحة وطنية لكل مواطن في الدولة، سيادة القانون هو طريق النجاة من الاحتراب الاجتماعي والثقافي، والضمانة اللازمة للتعايش بين المواطنين على اختلاف مشاربهم وافكارهم ومستوياتهم، وفي مجال سيادة القانون يجب التركيز ان ابو القوانين هو الدستور، وان حمايته وصيانته والحفاظ على اركانه كما وردت في التأسيس مصلحة وطنية عليا للجميع، وفي هذا الصدد فإن الدولة الحديثة هي دولة مواطنين، ومفهوم المواطنة يحدد العلاقة بين الافراد والدولة على نحو يبين حقوق المواطنين وواجباتهم، والمواطنة لا تتعارض مع اي تشكيلات اجتماعية او ثقافية او حتى دينية في الدولة؛ فإن الهويات الفرعية من طبيعة المجتمعات البشرية، ومن ينكرها ينكر طبيعية اصيلة في المجتمع، لكن هذا لا يتعارض مع ان الطريق القانوني والسياسي الوحيد للتعامل بين الشعب والدولة وبين افراد الشعب انفسهم هو المواطنة.
على أبواب المئوية الثانية نحتاج الكثير من الصبر واحترام الآراء والافكار والمشاعر، ونحتاج الصراحة والوضوح وتشكيل حالة توافق وطني تأخذ الوطن الأردن لمستقبل ديمقراطي حر نزيه مستقل منتج يحقق تكافؤ الفرص والطمأنينة لجميع مواطنيه، وإن غدا لصانعه قريب جنابك!

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock