أفكار ومواقف

الإصلاح مشاركة وليس منحة

ليس النضال للإصلاح لأجل الحصول على منح ووعود لكنه لأجل امتلاك القدرة على المشاركة والتأثير، فالإصلاح الزراعي على سبيل المثال ليس منحا ومساعدات تمنح للمزارعين لكنه قدرة المزارعين على امتلاك الأرض والإنتاج الزراعي والتسويق والمشاركة في الاقتصاد على النحو الذي يحسن حياتهم ويمنحهم أيضا القدرة على التأثير في السياسات والاتجاهات والخدمات الأساسية والمرافق المشتركة، والتشغيل ليس رواتب ومساعدات ووظائف للمتعطلين عن العمل معزولة عن السياق الاقتصادي والاجتماعي، فلا قيمة لوظيفة لا تنتج على الأقل أربعة أضعاف المكافأة الدورية لصاحبها، وهذا الإنتاج والأثر للوظيفة يجب أن يلمسه المشتغل بنفسه وعلى نفسه كما يلمسه المجتمع والسوق والجمهور.
هكذا فإن مشاركة المجتمعات في المسؤولية والإصلاح هي بالضرورة مشاركتها في الملكية والولاية للموارد والمرافق الأساسية، الماء والطاقة والأراضي والموارد والخدمات الأساسية، ولا معنى لتخفيض أسعار المحروقات والكهرباء والاتصالات مثلا إن لم يكن المواطنون يملكون هذه الموارد أو يشاركون في ملكيتها، ولا معنى للتسهيلات البنكية والتمويل والقروض إن لم يكونوا يملكون البنوك، ..
التعامل مع الإصلاح كأنه منح ووعود تقدمها السلطة والمحسنون يقابلها مطالب وضغوط يمارسها المواطنون ويفرغ الحياة العامة والسياسية من مضمونها، ولا يعود معنى للمشاركة والانتخابات والمجالس والمؤسسات والموارد والأسواق والأعمال والمصالح والعلاقات، وإذا كان لم يعد واردا أن تتولى الحكومات كل شيء نيابة عن الأفراد والمجتمعات. ولا يمكن، بطبيعة الحال، التوازن بين الأفراد والمجتمعات وبين الشركات والأسواق، من غير فاعلية للأفراد وقدرة على التأثير والمشاركة، فإن التقدم الحقيقي هو المشاركة الفعلية للمدن والمجتمعات في الولاية على مواردها وتنظيمها، وأن تتقدم المهن والأعمال على نحو يعبر عن مصالح وطبقات وموارد حقيقية يتشكل حولها مجتمعات ومدن وطبقات.
لقد انتهت مرحلة تقديم الخدمات ووضع السياسات في معزل عن مشاركة ومسؤولية الأفراد والمجتمعات، في التعليم والصحة والتقدم والتنمية والتكامل الاجتماعي، إذ هي اليوم قضايا يتشارك في إدارتها وتنظيمها والولاية عليها والمسؤولية تجاهها الحكومات والمجتمعات والأفراد والشركات.
ويمكن بناء الخطط والمشروعات والتصورات المؤسسة للنجاح والإبداع، ولكنها خطط لن تعمل من غير إنسان قادر على استيعابها وتنفيذها.. ونقدها وتطويرها أيضا. وبذلك، فإننا نتحدث عن الإنسان القارئ الذي يعلّم نفسه باستمرار، ويرقى بها. فالمواطنة تقتضي، بالضرورة، القدرة على المشاركة في العمل، وفي الولاية على الموارد، والجدل العام والمؤسسي حول السياسات والتشريعات والقدرة على التأثير فيها، هكذا فالإصلاح الحقيقي المطلوب العمل عليه فرديا ومجتمعيا هو الفرد القادر والفاعل، فبدون المواطن الخبير والواعي واليقظ فإن المجتمعات والأفراد سيكونون ضحية للاحتكار، ويضعف المستوى ويتراجع في الخدمات ومن ثم في مستوى الحياة والتنمية.
الشركات اليوم تتولى تقديم خدمات أساسية وحيوية للأفراد والمجتمعات، مثل الاتصالات والماء والطاقة والتعليم والتدريب والسلع الأساسية والكمالية، ولا يمكن التأثير في اتجاهات الأسواق والخدمات باتجاه العدالة والجودة والكفاءة من غير مستهلك متقدم في وعيه ومعرفته وقدرته على التقييم والتأثير .
ولا يمكن القفز إلى التقدم الاجتماعي والثقافي من غير تحقيق شروط ومتطلبات اقتصادية ومعيشية، ولذلك سوف تظل مشروعات التنمية الثقافية تواجه صخرة الواقع الاقتصادي والمعيشي الصعب. لكن يمكن التفكير دائما بالسؤال العملي ما الثقافة والفنون الممكنة النجاح في ظل الفقر وكيف تساهم الثقافة في التقدم الاقتصادي؟
كلمة مواطن في تاريخها اللغوي تعني المدني. والمواطنون هم أهل المدينة الذين ينشئون نظامهم السياسي والقانوني. والمدينة تعني أيضا القانون. المواطنون الذين يملكون مواردهم ينتخبون ممثليهم في البرلمان والبلديات لإدارة هذه الموارد التي يملكونها بعدالة وكفاءة. وهذا هو العقد الاجتماعي، إذ يجب أن تظل الحكومات تعكس القيادات والاتجاهات الاجتماعية، ولا يجوز أن تعكس السياسات والتشريعات مصالح البنوك والشركات. ويجب أن يملك الموارد العامة والاساسية مثل التمويل والطاقة والمياه والاتصالات والمرافق الكبرى والموارد الخام قطاع واسع من المواطنين والمدن والبلدات.. لا معنى للديمقراطية والانتخابات من غير ولاية كاملة على الموارد العامة والاساسية. لأجل ماذا ننتخب النواب والمجالس البلدية؟

مقالات ذات صلة

شاهد أيضاً

إغلاق
إغلاق
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock