فكر وأديان

الإصلاح والإفساد

د. هاشم غرايبة
قال تعالى في الآية 56 من سورة الأعراف: “وَلَا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ بَعْدَ إِصْلَاحِهَا وَادْعُوهُ خَوْفًا وَطَمَعًا إِنَّ رَحْمَتَ اللَّهِ قَرِيبٌ مِّنَ الْمُحْسِنِينَ”.
بما أن القرآن الكريم أنزله الله للبشر ليظل مصدرا دائما للمعرفة، فلا شك أنهم واجدون فيه في كل عصر ما ينفعهم، ولو كان فهم السلف الصالح وتفسيرهم كافيا لكل من جاء بعدهم، لما أمرنا الله بالتفكر في آياته، ولما حثنا على دوام تلاوته والتأمل فيها، ولاكتفينا بقراءة تفاسير السلف الصالح، فهم لم يتركوا لمن خلفهم أمرا لم يفسروه. كل من يتلون القرآن بقصد الفهم، وليس لتسجيل عدد التلاوات بهدف جمع الحسنات، يتبين لهم أنه ما من مرة إلا وقد تحصل لهم فهم أبعد من المرة السابق، وكلما ازدادوا علما، فتح الله عليهم بابا آخر من أبواب علمه.
لذلك من واجب طالب العلم من الله، وبعد أن يُلِمَّ بعلوم من سبقه، أن يديم التأمل والبحث في آيات القرآن ذاتها.
المتأمل بتعمق في هذه الآية ستستوقفه عدة أمور لم ترد في تفسيرات الأقدمين، ليس جهلا منهم، بل لأن المعارف البشرية آنذاك لم تكن بالقدر الذي هي عليه اليوم.
لا يتسع المقال لعرضها جميعا، لذلك سأبدأ بأولها وهو: ماذا يعني إصلاح الأرض في الشق المادي، على أن استكملها في مقالات لاحقة بمشيئة الله.
لقد توصل العلم البشري الى أن مواصفات الكرة الأرضية مثالية للإنسان ولكافة الكائنات الحية، وهو أمر لم يجده في كل الكواكب الأخرى التي تمكن من معرفة طبيعتها، مما يدل على أن الأرض قد هيأها الله على وجه التخصيص، بأن جعلها مكانا صالحا لسكنى البشر، لذلك فقد أصلح الله الأرض لهذا الغرض:
1 – ضبط الطبيعة بدقة، وأي إخلال بهذه التوازنات البيئية يفسدها، ومنها:
أ‌- انه زودها بنظام يضبط توازنات الغازات في جوها بنسب ثابتة، لذلك فعدم ضبط انبعاثات ثاني أوكسيد الكربون بفعل المصانع والسيارات والآلات، يخل بهذا التوازن، فهذا إفساد بعد الإصلاح.
ب‌-حمى الأرض من الإشعاعات الكونية الضارة بحزام واقٍ هو غلاف الأوزون، لذلك فانتاج الغازات الضارة به مثل غازات الفلوروكلور وكربون والميثان، هو إفساد للأرض بعد إصلاحها.
ت‌-نظّم الغطاء النباتي بحيث يُبقي توازنا بيئيا للنباتات ولمكونات الهواء وللرطوبة الجوية، ويحفظ التربة ويمنع التصحر، لذلك فحرق الغابات بهدف الحصول على أراض زراعية هو إفساد بعد صلاح.
ث‌-استعمال المبيدات السامة للتخلص من ضرر الحشرات على الثمار، يؤدي الى تلوث كيميائي للبيئة، ويُخلُّ بالتوازن الدقيق للكائنات الحية، مما يؤدي الى نتائج وخيمة لا يمكن للإنسان تداركها.
ج‌- تكوين التربة السطحية مضبوط لتلبية احتياجات كل الكائنات الحية، فرمي الأنقاض والمهملات وفضلات المصانع الكيماوية والمنتجات البلاستيكية، تخريب لتركيب التربة، ويلحق ضررا كبيرا في الغطاء النباتي.
2 – توازن المكونات الحيوية:
فقد جعل الخالق هنالك نسبة ثابتة لكل الكائنات الحية، فالنباتات تكفي لاستهلاك البشر والحيوانات آكلة العشب، وهذه تكفي حاجة الإنسان والحيوانات آكلة اللحوم، وهذه تبقى بنسبة ثابتة بعد افتراس بعضها بعضاً، ونفوق البعض، وعندما تنفق تتحلل الى المكونات الأولية بفضل الكائنات الدقيقة ويمتصها النبات من جديد، إخلال الإنسان بهذه السلسلة المغلقة، ويعني إفسادا لما كان صالحا يؤدي مهمته بدقة.
ومما يضبط هذه النسبة أن للنبات أو الحيوان منها وسيلة تكاثر محسوبة، ومدة حمل أو فقس بيوض محددة، وعدد مواليد الأنثى أو بيوضها، وعمر حياتها، كل ذلك محدود، فلو أخذنا مثلا الخروف والكلب، فولادات الكلاب تحدث أكثر من مرة في السنة، وعدد جراء الكلبة الواحدة في العام من 4 – 10 ، وتعيش في كنف الإنسان الذي يحميها من الإفتراس، بينما الشاة تلد مرة واحدة في العام خروفا أو اثنين في العام، ومع أن البشر يتغذى على الأغنام وينتفع بكل أجزاء جسمها، إلا أن عددها أكثر بمئات الأضعاف من الكلاب، والسبب يعود الى ان الله قد ألهم الإنسان تربيتها وتكثيرها.
هكذا نتوصل إلى أن الأرض قد ذللها الله تكوينا وطبيعة ومناخا ومستودعا لاحتياجات الإنسان.
وهذا الفعل الجليل النافع هو الإصلاح، فلا يجدر بالإنسان إفساده، بل المحافظة على ثماره لتستديم منفعة الأجيال المتعاقبة.
ما سبق كان بعض معاني إصلاح الأرض من المنظور المادي، وتاليا بعض المعاني من المنظور البشري.
إن من مقاصد لفظة (الأرض) من يعمرها من سكانها، فأول إصلاح للأرض بعد أن هيأها الله لسكنى الإنسان هو إعمارها: ” هُوَأَنْشَأَكُمْ مِنَ الأَرْضِ وَاسْتَعْمَرَكُمْ فِيهَا” [هود:61]، لذا فعمارة الأرض هي من المهمات البشرية الأساسية التي أوكلها الله إليهم وكلفهم بأدائها على أفضل وجه.
إن العمران مرتبط دائما بالتقدم الحضاري، لذا فمن البديهي أن نفهم أن العمارة لا تتوقف عند التشييد والبناء، بل الإدامة والصيانة والعناية والتطوير الى الأفضل، وقد أمد الله الإنسان بالموارد اللازمة لكل ذلك، بدءا من كهوف منحوتة ذاتيا ليأوي إليها قبل أن يكتشف مواد الإنشاء، والتي وفرها الله له في كافة أرجاء الأرض، وألهمه مباديء المعرفة الأساسية (الفطرة)، ومنحه العقل الذي به يتعلم بالتجريب، وفتح عليه من أبواب العلم لكي يُراكِم معارفه وخبراته.
ولما كان من أسس الطبيعة البشرية اختلاف القدرات والإمكانات، والتي كانت دافعا فطريا للتعارف بينهم، بهدف تبادل الخبرات والتجارب، لكن لحكمة بالغة فقد جعل الله لتلك الأسس نقائص، وهي نواتج سلبية بسبب الأنانية والطمع، وأنزل الدين ليقوّم الإعوجاجات والإنحرافات الضارة، فكان من أهم تعاليمه: ” وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ” [المائدة:2].
كما أن من أهم شروط العمران استتباب الأمن وإشاعة العدل بين الناس، لكن ذوي الأطماع معاييرهم مزدوجة، فيسلبون الضعيف ماله ويغمطونه حقه، فتضيع العدالة ويخيم الظلم والجور، فبدلا من أن يعم الوئام ويسود التعاون بين الناس، يحل مكانه الحقد والضغينة، ليتولد الإنتقام والإجرام، ويضيع الأمن، فينشغل الناس بالحفاظ على حياتهم ومالهم بدل البناء والإنتاج… وهذا هو إفساد الحياة في الأرض بعد أن جعلها الله صالحة نافعة.
نستنتج أن الإصلاح هو ما هيأه الله في الأرض للإنسان لتغطية كافة احتياجاته ومتطلبات عيشه الكريم، وتذليل كل تلك العوامل لخدمة مصالحه، وكافية لكل البشر ولكل العصور والأزمان، لكن الطمع والظلم والرغبة في الإستئثار التي وسمت كل من تنكب هدى الله واتبع هواه، هي التي انتجت النزاعات وولدت الحروب، وما نجم عنها من قتل وتدمير.
لذلك جاء قوله تعالى: “ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ لِيُذِيقَهُم بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ” [الروم:41]، ليبين لنا كيف أن أطماع أساطين الصناعات، الذين همُّهم تقليل الكلف، لجني أكبركمية من الأرباح، أفسدوا التوازنات البيئية التي أوجدها الله، فلوثوا البحار بفضلات كيميائية، وأحدثوا ثقبا في طبقة الأوزون الحامية بمنتجات ضارة، وزادوا نسبة التلوث في الهواء مما أدى الى الإحتباس الحراري وتغيرات مناخية ضارة.
لو تفحصنا طبيعة هذه الفئة من البشر، لوجدناهم ممن وصفهم رب العزة بالمترفين، وتسميتهم المعاصرة (أرباب الفساد)، وهم لا يشكلون أكثر من 1 % من البشر، لكن ثرواتهم تبلغ 99 % مما يملكه كل البشر، رغم ذلك تجدهم في أشد الشره لجمع المزيد من المال والنفوذ.
لقد ورد ذكر هؤلاء في كتاب الله في ثماني آيات منه، ولا نجد ذكرهم في أي موضع إلا مقترنا بالذم والتوعد بالعذاب، فما منهم إلا من كان مُعرِضاً عن ذكر الله أو منكراً لوجوده أو محارباً لنهجه: “وَمَا أَرْسَلْنَا فِي قَرْيَةٍ مِنْ نَذِيرٍ إِلَّا قَالَ مُتْرَفُوهَا إِنَّا بِمَا أُرْسِلْتُمْ بِهِ كَافِرُونَ” [سبأ:34].
نستخلص مما سبق مدى تهافت حجة من يَصِمُون الدين بالإرهاب، فالله هو الذي أوجد الصلاح المطلق، وشرعُهُ حدد معاييره، لكن أطماع الطامعين هي المُفسدة، فالدين لا يأمر إلا بمعروف ولا ينهى إلا عن منكر، وقد تستجيب نفوس البشر بدرجات متفاوتة، لكن من تعذر إصلاحهم ليس بسبب قصور المنهج أوعجزه، بل لأن دوافع الفساد لديهم (الأنانية والطمع) غالبة على نفوسهم، فتطغى لديهم طبيعة المترفين، فنفسيتهم (برجوازية)، حتى ولو لم يكونوا أثرياء.

مقالات ذات صلة

شاهد أيضاً

إغلاق
إغلاق
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock