أفكار ومواقف

الإضراب المفتوح والنهايات التاتشرية

في العالم المتقدم، ومن بداية العصر الصناعي أصبحت الاضرابات من المظاهر العادية المألوفة وهي تواكب المفاوضات حول الأجور وشروط العمل، وقد تكون موقعية محدودة او واسعة، لكن في الغالب محددة زمنيا كإجراء للضغط مع المفاوضات المطلبية ولرفع المكاسب، لكن “الإضراب المفتوح” هو إجراء أخير يندر اللجوء له فلا وجود لما بعده، ويعني الدخول في مواجهة نهائية إما الانكسار او الانتصار وهذه لعبة خطرة على الجميع.
ذهاب نقابة المعلمين عندنا مباشرة الى “اضراب مفتوح” كان قفزة مباشرة ومتعجلة إلى الاجراء الأقصى والأخير. ونحن نقف بتعاطف كامل مع المعلمين ومطالبهم العادلة لكن ربط مطلب الزيادة في الرواتب مباشرة بإضراب مفتوح لم يكن القرار الحكيم.
أطول وأشهر اضراب مفتوح في التاريخ الحديث كان اضراب عمال مناجم الفحم في بريطانيا العام 1984 خلال حكم “السيدة الحديدية” مارغريت تاتشر، الذي امتد لعام كامل تقريبا وانتهى بصورة كارثية على العمال وصناعة المناجم وأضعف النقابات وعزز حكم المحافظين. وكانت تاتشر تتجه اصلا لتقليص الاعتماد على الفحم وهذا من اسباب الاضراب اضافة لتوجه حكومتها نحو خصخصة القطاع وهو ما جرى فعلا بعد عشر سنوات مع خصخصة العديد من القطاعات الأخرى. واليوم يعتقد البعض ان الدولة عندنا تضمر تقليص التعليم العام لصالح التعليم الخاص. وعندنا فإن العاملين في القطاع الخاص هم أضعف كثيرا ولا يخوضون اضرابات مطلبية.
ورواتب المعلمات مثلا في الكثير من المدارس الخاصّة اقل من الحدّ الادنى للأجور ولا تقع اضرابات في المدارس الخاصّة ويندر ان تقع اضرابات في القطاع الخاص عموما فأرباب العمل لا يقبلون بالإضراب ويمكن في النهاية إغلاق المصلحة واحالة كل الموظفين والعاملين الى الشارع اذا لزم الأمر، فأصحاب المصالح لا يرون انفسهم ملزمين بشيء تجاه العاملين غير ما يجبرهم عليه القانون، وهو الحدّ الادنى للأجور واشتراك الضمان الاجتماعي، وغير ذلك ليس اكثر مما يعطيه توازن العرض والطلب لليد العاملة أو للكفاءات حسب أوضاع كل قطاع، ويمكن أن تتفاوت الرواتب بصورة ضخمة من قطاع لآخر ومن مستوى لآخر داخل نفس القطاع.
بالمناسبة وفي نوع آخر من الاضراب المفتوح فقد كان أشهر وأطول اضراب مفتوح عن الطعام حتى الموت قد حصل ايضا في زمن السيدة الحديدية نفسها العام 81 من قبل معتقلي الجيش الجمهوري الايرلندي المدانين كمجرمين وكانوا يطلبون معاملة خاصّة كمعتقلين سياسيين، وبدأ المعتقلون يضربون على التوالي طوال سبعة أشهر، وقد رفضت تاتشر تلبية مطالبهم وأصرّ المضربون بالمقابل على الاستمرار وعدم تلقي العلاج حتى بدؤوا يتوفون تباعا وكان أولهم بوبي ساندز الذي انتخب نائبا في البرلمان أثناء الاضراب وخرج مائة الف مشيع في جنازته، ومع ذلك لم تتنازل تاتشر رغم الوساطات الدولية. وبعد الوفاة العاشرة بدأ أهالي المعتقلين يضغطون لتلقي المضربين العلاج ولبت الحكومة ضمنا ودون اعلان واعتراف بعض المطالب وتوقف الاضراب رسميا في كانون الأول 1981.
لا نريد نهايات تاتشرية فقد يتوقف التعليم لفترة غير محدودة وقد ينهار الاضراب في النهاية ومن سيعود للعمل سيقدم أداء أسوأ وسيكون إصلاح التعليم في خبر كان. يجب الوصول الى تسوية كريمة في اسرع وقت وهناك مقترحات نيابية جديدة، وفي مقالنا الماضي اعدنا مقترح تحويل العلاوات الى نظام حوافز معتبرة. يجب الالتقاء على حلّ ولو بترك نسبة منه لمفاوضات برعاية برلمانية تستمر بعد العودة للمدارس.

مقالات ذات صلة

شاهد أيضاً

إغلاق
إغلاق
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock