فكر وأديان

الإعلام الإسلامي غير واقعي

محمود أبو فروة الرجبي*

ربما كانت المثالية واحدة من أسباب عدم انتشار الإعلام الإسلامي، وأقصد بها هنا التعامل مع الأمور بعدم واقعية، وبما يجب أن تكون عليه الأشياء، لا ما هي عليه فعلا. ومعظم العاملين في الإعلام الإسلامي، وصناع الخطاب فيه، لم يستطيعوا التحرر من وظيفة الوعظ والإرشاد، وفي الوقت نفسه لم يتمكنوا من تحقيق أحد أهم شروط الإعلامي الناجح، وهو القدرة على رؤية ما لا يراه الآخرون.
للإعلام وظائف عديدة، من ضمنها التنمية، والمساهمة في رفع سوية المجتمع، والتثقيف. لكن تنفيذ هذه المهمات إعلامياً لا يأتي من خلال الوعظ والإرشاد، بل من خلال الإمتاع؛ إذ لا يمكن لي اختراق حواجز “مضادات الاقتناع” في النفس الإنسانية إلا إذا ضربت على وتر المتعة. ونحن هنا لا نقصد تلك التي لا نتقبلها، بل ما يمكن أن نوصله إلى جمهورنا. والوقائع أثبتت أن هناك وسائل كثيرة لتحقيقها بشكل غير مخالف للقيم.
وبخصوص معرفة الإعلامي لما لا يعرفه الناس، فهناك قاعدة تقول إن المتلقي (مستمعا، ومشاهدا، وقارئا) إذا أدرك أنك تعرف أكثر منه قد يتابعك، أما إذا عرف أنه يعلم أكثر منك، فسيترك وسيلتك الإعلامية ويذهب بعيداً.
الإعلامي الإسلامي في العادة يحصر نفسه في محيط صغير من المتدينين، وقد لا يذهب أبعد من ذلك، ولا يكلف نفسه عناء معرفة المجتمع على حقيقته، وقد لا يستطيع أن يكتشف من حوله لأنه دائماً يعزف على وتر المثاليات. وإذا حصل ودخل إلى مجلس ما، فإن الجالسين هناك سيتحولون فوراً إلى الخطاب الذي يحبه؛ الخطاب المليء بالمثاليات، وما يجب أن يكون عليه المجتمع. وهذا للأسف ما يحصل في مجتمعنا، حيث الأقنعة أشكال وألوان تتغير، وتتبدل حسب المكان والأشخاص.
وقلما تجد إعلامياً إسلامياً يختلط بالناس جميعهم كي يكتشف ما يحصل في المجتمع. وقد لا يكلف نفسه عناء التفكير أن المجتمع مختلف، وأن كثيرين قد لا يؤمنون بما تؤمن به، وهذه نقطة مقتل للخطاب الإسلامي؛ حيث يفترض غالبية صناعه أن الناس كلهم نسخ مني، وهم يؤمنون بما أعتقد. ومن هنا يخرج الخطاب ضعيفاً، غير متماسك، وغير قادر على إقناع إلا من هم أصلاً مقتنعون بما أريد.
وللتدليل على أن الخطاب الإسلامي لم يتمكن للآن من وضع قاطرته على السكة الصحيحة، أنك لا تجده قادراً على مخاطبة الآخر في المجتمع. فمثلاً، لم يتمكن هذا الخطاب من التواصل بشكل إيجابي وذكي مع المسيحيين في مجتمعاتنا وهم جزء أصيل منه، ومن حضارته، بل وكذلك مع أصحاب الأفكار الأخرى، وهم موجودون، ولا يمكن أن يغيبوا عن الحياة في أي مكان وزمان، علماً أن الخطاب مع هذه الفئات سينطلق من مبدأ أنهم خاطئون، بعيدون عن منهجنا، وكيف يمكن أن نعيدهم إليه، وهذا توصيف غير دقيق، لن يؤدي في غالب الأحيان إلى نتائج إيجابية.
وحقيقة لولا الجهود الذاتية، والخطاب الفردي الذي يقوم به بعض الدعاة (غير المحترفين، ولنضع تحت هذه الجملة مائة خط)، ولولا الإخلاص الكبير من عدد من الناس، لما انتشر التدين بهذا الشكل. فالإعلام الإسلامي، للآن، لم يتمكن من الإمساك بزمام المبادرة؛ فهو يلهث وراء الأشياء، بدل أن تركض الدنيا كلها وراءه.
وعودة إلى المثالية، فهناك حقيقة لم يدركها العاملون في الإعلام الإسلامي، وصناع الخطاب أيضاً، وهي أن الناس تريد أن تسمع، أو تشاهد، أو ترى من يناقش مشكلاتها الحقيقية، ومن يلبي احتياجاتها. وإذا كنت أنا أتحول بمجرد جلوسي وراء “المايك” إلى إنسان لا يتحدث إلا بالمثاليات، فكيف سأصل إليهم؟
ولا يقف الأمر عند المذيعين والكتّاب، بل يصل إلى المستمعين والمشاهدين والقراء؛ إذ يكفي الجلوس إلى وسيلة إعلام إسلامية، وسماع ما يقوله المشاركون على سبيل المثال، لتجد مناقشات غريبة وعجيبة، كلها تستعمل ألفاظاً مثل: يجب، واجب، ما يجب، ما يكون، حضارتنا الإسلامية العظيمة، أجدادنا الذين علموا الدنيا، الأخلاق الحميدة… والغريب أن مجرد معرفة بسيطة من أي كان بعلم النفس وبطبائع البشر، تدل أن الناس تمل ممن يعطيها محاضرات وعظية، ومن يتحدث معهم بلغة الأوامر، وكأننا من حملة “الريموت” الذين يطمحون إلى تحريك الناس به، ناسين- نحن الإعلاميين- أن الناس ليسوا أجهزة تلفزيون تتحرك بهذا الجهاز.
أذكر في هذا المقام أنني كنت أدير إحدى الحلقات الإذاعية، وكان الموضوع حول استعمال الشباب للإنترنت. وبمجرد أن طرحت الأسئلة على الشباب المستمعين، جاءت الإجابات الأولى: “يجب استعمال الإنترنت في الأعمال النافعة”، “أنا لا أستعمله إلا للدعوة”.. وهكذا. ومع دخولي مع كل مستمع في نقاشات أوسع، كانت هناك اعترافات باستعماله في أشياء غير مفيدة. ويبدو أن العقل الجمعي المسلم يتعامل دائماً مع الأسئلة العامة بالإجابات المُقنَّعة، وبما يحب أن يسمعه بعض الناس، وليس بما هو واقع.
وهناك عدة أسباب تجعل من الإعلامي الإسلامي، وصانع الخطاب الإسلامي، يبتعدان عن الواقع، ويتحدثان بمثالية، ومنها:
أولاً: الخوف من الناس، ومعرفة أن بعضهم يحب الحديث بمثالية. بل إن بعض المشاهدين والمستمعين، وحسب ما يحصل معنا، يتصل بك غاضباً إذا تحدثت عن قضية موجودة في المجتمع، وهو يفترض أن الناس جهلة، ولا يعرفون شيئاً، وأنهم لم يصلوا بعد إلى سن النضج الذي يؤهلهم إلى التعامل مع واقعهم. وقد تسمع أشياء غريبة عجيبة من المستمعين أو القراء أو المشاهدين، مثل: الفتنة نائمة ولعن الله من أيقظها. ولن أعلق على المعنى المستنبط من هذه العبارة، لكن الخلاصة التي تصل إليها أن أنشط المستمعين والمشاهدين والقراء يميلون إلى سياسة التكتيم، ودفن الرؤوس في الرمال، بدلاً من المواجهة ومعالجة المشكلات بشجاعة، علماً أن القاعدة تقول: إن المشكلة تتحول إلى كارثة إذا لم تواجه في الوقت والعلاج المناسبين.
ثانياً: عدم امتلاك الثقافة الإعلامية الكافية، بل وعدم معرفة وظائف الإعلام، متناسين أن الإعلام ليس مرآة للمجتمع فقط، بل هو رادار يكشف الأشياء غير المرئية ليقرع جرس الإنذار، ولينبه المجتمع إلى الأخطاء التي تواجهه. وكذلك، هناك عدم إدراك لماهية الإعلام، وللوظائف التي يمكن أن يقوم بها في المجتمع.
ثالثاً: إشكالية الفقهاء والمرجعيات الدينية. وهذه هي المشكلة الأكبر التي تواجه أي إعلامي. وكما نردد دائماً، ولن نمل من ترديده، فإن معظم علماء الشرع في العصر الحديث لم يدركوا للآن أهمية الإعلام ودوره وماهيته؛ فالفقيه مثل الطبيب إذا لم يستطع توصيف العرض جيداً فإنه لن يتمكن من الوصول إلى نتيجة صحيحة. وهذا ما يحصل في معظم القضايا الفقهية المعاصرة المتعلقة بالإعلام، حيث يصل بعض الفقهاء إلى أحكام متسرعة لا علاقة لها بما هو مطروح. ولذلك، تجد الإعلامي يتعامل مع الفقيه بطريقة المرعوب. وأحياناً (وليعذرني علماؤنا الأجلاء) يتعامل بعضهم مع الإعلاميين وكأنهم رجس من الشيطان، أو كأن الإعلام شيء طارئ من الأشياء التي نجبر عليها، مع أنه واقع، وخبز يومي.
وبعد، الإعلامي الإسلامي لن يتمكن من الاشتباك مع الواقع ما دام مرعوباً وخائفاً. لذلك، عليه إدراك أنه هو الذي يقود المجتمع، بفكره وعقله والمادة التي يقدمها، ومن الذكاء عدم الالتفات إلى الأقلية المتطرفة العدمية التي تفضل الجلوس في العتمة وعدم فعل شيء، على التحرك والإنتاج والاجتهاد، وتخاف من الوقوع في أصغر الأخطاء.
وفي الوقت نفسه، يجب تأهيل بعض الفقهاء- من باب الواجب الكفائي- ليدرسوا الإعلام، كي يتمكنوا من الإفتاء في هذا المجال بشكل صحيح. وأدعو هنا بعض الإخوة العلماء الأفاضل إلى التخصص في أبحاثهم العلمية في فتوى الإعلام، وهذا سيساعدنا كثيراً في عملنا.
الإعلام المثالي البعيد عن الواقع يجعل الناس تضحك عليه. وإذا أردت أن تجلس وراء “مايك”، أو أن تحمل قلماً، فانزل إلى الواقع، واشتبك مع قضايا الناس. وبغير ذلك، فالأفضل أن تبقى جالساً في بيتك لا تفعل شيئاً.
الإعلام الإسلامي يحتاج إلى إعلاميين شجعان، يقرعون الجرس، ويتحملون نقد بعض المتشددين، ويمتلكون الجرأة للدفاع عن اجتهاداتهم، وإلا فإننا سنبقى “نرقص في العتمة”. وأنا سأنتظر من يتصل بي الآن لينتقدني، ويحدثني عن أحكام الرقص في الإسلام بعد أن كتبت هذا المثل في مقالي، وأعتقد أن الغالبية العظمى فهمت قصدي.
* كاتب أردني.

مقالات ذات صلة

تعليق واحد

  1. رأي جرئ ومثير للتفكير العميق
    أؤيدك استاذ محمود فيما ذهبت اليه فقلما نجد اعلاميا اسلاميا يتعامل مع مشكلات الناس بواقعية .. لكن لن نكتفي بوضع أيدينا على المشكلة بل علينا أن نبحث عن الحلول … لماذا لا تقوم بعمل دورات تدريبية للشباب حول دور الاعلامي الاسلامي وكيفية ملامسته لقضايا الناس من خلال مواقف عملية لا نظرية

  2. هذا ما يحصل
    تحياتي اخي الكريم هذا ما يحصل فانا اقوم بعمل دورات في هذا المجال من خلال مركزي المتخصص تباشير وكذلك فان رسالتي الماجستير حول هذا الموضوع وستكون رسالة الدكتوراه حول تطوير الاعلام الاسلامي

  3. بين الجرأة والابداع
    مقالك مميز استاذ محمود ,ربما نحن بحاجة لقدر كبير من الجرأة في التخلي عن الانماط المألوفة في الاعلام الاسلامي،و في قضايا التسلية او "فن الامتاع والاستمتاع"هناك مشكلة في المجتمه العربي اصلا ان الكثيرين لا يعرفون كيف يستمتعون!فالمتعة الغالبة مرتبطة اما بالطعام او الجنس او بتزجية الوقت في الحديث مع الاصدقاء ،لذا حتى في الاعلام العربي غير الاسلامي كانت برامج التسلية في غالبها سطحية.اذا اراد الاعلام الاسلامي أن يطرق باب الامتاع فهو بحاجة أولا الى أناس يفهمون المتعة بمنظورها الواسع "متعة النظر،الاكتشاف،المفارقات الطريفة في الحياة،جماليات العلاقات الانسانية..وغير ذلك"فيبدعون برامج تمتع الناس وبنفس الوقت لا يقعون في التفاهة .

إغلاق
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock