أفكار ومواقف

الإعلام العربي الورقي اليوم

على مدى أكثر من عقد، لم يتنبه الإعلام التقليدي إلى المنطقة الخطرة التي يوشك أن يجد نفسه فيها.
آلاف التحليلات أكدت أن المواجهة بين الإعلامَين؛ التقليدي والرقمي باتت قريبة جدا.
الإعلام الغربي تهيّأ للأمر، واختطّ لنفسه نهجا جديدا من تقديم المعلومة، مستندا على أسس ثلاثة؛ التفسير والتحليل والاستقصاء، إضافة إلى حزمة كبيرة مما وفرته له الثورة التكنولوجية الحديثة التي اعتمدت على الصوت والصورة والجرافيك.
لكن الإعلام في العالم العربي، في معظمه، لم ينتبه إلى الجهة التي من الممكن أن تبقيه في زاوية المنافسة، بل ظل ينظر إلى فضائه الكبير بمحدودية قلصت من دوره، فكان الخبر بمفهومه البسيط طاغيا على مساحة واسعة من الوسيلة الإعلامية، معتمدا مبدأ «تسكير الفراغ» الذي لجأ فيه إلى «تشكيلة» كبيرة من وكالات الأنباء والمصادر الخبرية الأخرى التي عادة ما تكون مؤطرة بأجندات معينة، ليس شرطا أن تكون سياسية، وإنما من الممكن أن تكون اجتماعية أو ثقافية.
ذلك، أيضا، حرمه من أن يمتلك هوية خاصة، فالشكل الذي يظهر عليه هذا «الخليط» الكبير من الأخبار ذات المصدر المتنوع، لا بد أن يمنح صورة ضبابية لهوية وسيلة الإعلام، خصوصا تلك التي لا تخطط لعمل موادها ضمن منهج واضح.
من الناحية الأخرى، قصّر الإعلام العربي في تدريب كوادره، أو إحلال كوادر جديدة مؤهلة مكان التقليدية، كما تأخر كثيرا في استدخال أدوات الثورة التكنولوجية في عمله، خصوصا الصحافة الورقية التي ظلت مصّرة على شكلها وخطابها التقليديين.
الخبر الرسمي الذي يأتي عادة من وكالة الأنباء الوطنية، ظل طوق نجاة للصحافة، وهو خبر يملأ الفراغ، كما لا يرتّب أي مسؤولية أو مواجهة على إدارات التحرير.
التفكير المحصور في المدى الراهن وما يوفره من تحديات وخيارات، أغلق باب الاجتهاد على ما يمكن أن يوفره العقل العربي من إبداعات تستقصي الحالة المحلية الخاصة، وتخترع لها حلولا غير نمطية.
كل هذا تماشى مع القصور التسويقي الذي بقي قائما على مبدأ العرض والطلب في جزء كبير منه، من دون أن يحاول اختراع حلول أو خيارات إبداعية لصاحب السلعة يجره فيها إلى سوق الإعلان.
بقي ذلك قائما حتى جاءت جائحة كورونا. ظهر واضحا أن الإعلام الفضائي والإعلام الإلكتروني يعيشان عصرهما الذهبي. لكن الإعلام الورقي العربي تفاجأ بالإغلاق الكبير الذي فرض عليه عدم الطباعة. كان لا بد من التحرك سريعا، وحرق مراحل كثيرة لم يكن التفكير فيها واردا من قبل.
في هذا السياق، لا بد من الاعتراف بنجاحات لا بأس فيها، فقد توفر تفكير مغاير يمكن أن نطلق عليه أنه جاء من خارج الصندوق «المحلي». رأينا للمرة الأولى محاولات بيع منتج إلكتروني بالكامل، أي ليس معتمدا على طبعة ورقية، ورأينا أيضا محاولات حثيثة لبيع طبعة PDF، التي لم تكن شعبية لدى الجمهور من قبل.
كانت هناك ملامح نجاح لا يمكن إنكارها، تأتت من التفكير تحت ضغط العمل في ظل جائحة كورونا. صحيح أن المعلن ما يزال لا يثق كثيرا بالمنتج الإلكتروني للصحيفة الورقية، بخلاف ثقته الزائدة بالإعلام الإلكتروني الخالص، لكن الزمن كفيل بأن يغير هذا المفهوم، خصوصا إذا أسست الصحف نمطا إعلانيا تربطه بمنتجها الإعلامي، لا بموقعها الإلكتروني فحسب.
لكن، وعلى صعيد المحتوى المقدم إلى القارئ، أو المستهلك، أو المستهدف كما يطيب لذوي الاختصاص تسميته، ما الذي تغير فيه فعلا؟
ببساطة.. لا شيء.
ما يزال هو المحتوى نفسه الذي كان قبل جائحة كورونا، فثلاثة أو أربعة أشهر لن تكون كافية لتغيير ثقافة الصحفيين وأدواتهم. لذلك، سيكون سؤال: ما الذي سنقدمه، وكيف سنقدمه، واحدا من الأسئلة الأساسية التي يمكن أن تنقذ الإعلام التقليدي اليوم.

مقالات ذات صلة

إغلاق
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock