أفكار ومواقف

الإعلام العربي والإرهاب

   من الإجحاف والظلم أن نضع تعامل الإعلام العربي مع ظاهرة الإرهاب في منزلة واحدة. فهنالك فرق كبير بين الإعلام العربي الرسمي وغير الرسمي؛ الإعلام الرسمي، في أغلب الأحيان، تابع للسلطة، يعبر عن توجهاتها ولا يسمح بتعددية حقيقية في وجهات النظر والآراء، أما الإعلام غير الرسمي، فعلى الرغم من حضور الأهداف والأجندات السياسية في إطاره العام، إلاّ أنه يظهر حرية وكفاءة أكبر، سواء على مستوى الإعلام المرئي أو المقروء. 


 


   الإعلام العربي، على العموم، لم يقدم منظورا متقدما في التعامل مع ظاهرة “الإرهاب”، وغلب على “التغطيات الإعلامية” للظاهرة إما الطابع الخبري أو التناول السطحي الجدلي غير المنهجي أو المثمر. فلا نجد مقاربات إعلامية منهجية تعطي هذه الظاهرة حقها من الدراسة الموضوعية التي تغوص إلى أسبابها والعوامل المؤثرة فيها وابتكار أدوات للتأثير الإعلامي والنفسي استنادا إلى رؤى علماء ومتخصصين وخبراء، باستثناء بعض المحاولات القليلة التي لا تمثل ظواهر واضحة في المشهد الإعلامي العربي.


 


   وثمة اتجاه في الإعلام العربي “متأمرك” يقدم المقاومة التي تقرها الأعراف والقوانين الدولية والأعمال العدمية التي تستهدف المدنيين والأبرياء، في سياق واحد وهو “الإرهاب”. ويمارس هذا النوع من الإعلام انتقادا كبيرا لكل القوى السياسية والشعبية العربية التي تؤدي عملا نضاليا مقاوما للهيمنة والاحتلال الأميركي، ويصف هذه القوى بأوصاف سلبية متعددة، ويعبرعن هذا الاتجاه الإعلامي أقلام عربية منتشرة هنا وهناك وبعض الصحف والقنوات والإذاعات التي ترتبط بصلات معينة، ومنها التمويل، مع الولايات المتحدة.


    في المقابل هنالك الإعلام المتماهي مع المواقف الشعبية العربية، وهو وإن كان يعكس، بأمانة، مواقف الشارع العربي في كثير من الأحيان، إلاّ أنه لا يقدم منظورا “تنويريا” نقديا للكثير من الأعمال الإرهابية، بل يختلط، في كثير من الأحيان، مع نزعة معاداة الولايات المتحدة الصاعدة في العالم العربي، ويسلط الضوء على “إرهاب الدولة” الأميركي وعلى جرائم الجيش الأميركي في مناطق متعددة من العالم، دون أن يقدم رسالة إعلامية “وقائية” تبين للمشاهدين، وشريحة الشباب الواسعة منهم، الطريق الصحيح لتوجيه النزعات المكبوتة من الغضب وخيبة الأمل والإحباط، حتى لا تتحول إلى طاقة تدميرية في أعمال عدمية.


   تجدر الإشارة، في هذا السياق، إلى حالة التذمر التي يبديها مسؤولون ودبلوماسيون غربيون وأميركيون من دور العديد من الحكومات العربية، منها الصديقة للولايات المتحدة، في التضييق على دور الإعلام وحريته في انتقاد “إرهاب الدولة العربية” وتحكم السلطات فيما ينشر إعلاميا عن الأوضاع الداخلية وتركها المجال مفتوحا، في الوقت ذاته، للإعلام لانتقاد الحكومة الأميركية، وهي السياسية الإعلامية العربية التي يرى الغربيون أنها بمثابة تصدير للأزمات الداخلية من ناحية، وتمثل ازدواجية في المعايير الإعلامية من ناحية أخرى.


    وازدواجية المعايير تنال جانبا آخر من التغطية الإعلامية العربية، وتقع في صلب تعريف الإرهاب، إذ سرعان ما يبادر الإعلام (الأخبار، المتابعات، التحليلات، المقالات الصحافية) إلى انتقاد أية عملية إرهابية تقع ضمن حدود دولته، وتبدأ حملات إعلامية عنيفة ضد هذه العمليات، الأمر الذي يصل في عدد كبير من التعليقات إلى رفض محاولة تفسير العمليات الإرهابية وقراءة أسبابها أو استخدام أية جمل معترضة، لكن في الوقت نفسه فإن موقف هذا الإعلام يبدو رماديا فيما يحدث في العراق، على سبيل المثال، ولا نجد مواقف حاسمة حقيقية مشابهة، وهو ما يفقد تعامل الإعلام مع الإرهاب مهنيته ومصداقيته، علما أنه لا يمكن المقارنة بين أعداد ضحايا الإرهاب في العراق والدول الأخرى! 


 


  m.aburumman@alghad.jo

مقالات ذات صلة

إغلاق
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock