تحليل إخباري

الإعلام بين السرعة والدقة والمسؤولية الوطنية

غيث الطراونة

ترددت كثيرا قبل كتابة هذا المقال، إدراكا مني لحجم تأثير الكلمة التي نضعها أمام الناس، فكتابة المقال فن له قواعده المهنية والأخلاقية، وقبل كل شيء القدرة على التحليل المستند إلى المعرفة والمعلومات الدقيقة حيال القضية التي يتناولها الكاتب.
هذه المقدمة ليست هي الهدف من كتابة هذا المقال، بل توطئة لمسألة رغبت أن أضعها أمام القراء عن تأثير وسائل الإعلام بمختلف أنواعها على الناس، مزاجهم العام وحكمهم على القضايا الوطنية التي يتابعونها رغبة منهم أو قسرا بحكم انتشارها الواسع.
الحقيقة الثابتة التي علينا أن ندركها، أن هناك أفرادا في المجتمع لا يتابعون وسائل الإعلام على الإطلاق لأنهم ببساطة منهمكون في تفاصيل حياتهم، وليس لديهم ترف الوقت لمتابعة ما يجري حولهم من قضايا قد يرونها لا تعنيهم، وهؤلاء يصنفون بأنهم غير مطلعين.
أما الفئة التي تتابع وسائل الإعلام بشكل مكثف لأسباب متعددة، خاصة في ظل الأزمات، فهي عرضة للتضليل بسبب الخلل الناتج عن اعتماد العديد من وسائل الإعلام لمعيار السرعة في نقل الأخبار على حساب الدقة في كثير من الأحيان.
وبات من المعروف أن أحد أهم الأسباب التي دفعت وسائل الإعلام لتقديم معيار السرعة على باقي المعايير المرتبطة بالدقة والموضوعية والمسؤولية الوطنية، يتمثل في التدفق الهائل للمعلومات التي جعلت من الصعب عليها وللأسف إخضاعها للمعايير المهنية بجميع تفاصيلها، وكذلك بسبب منافسة وسائل التواصل الاجتماعي التي قدمت مفهوم (الأقليات الصارخة) التي تنقل المعلومة دون أن تكون ملزمة بمراعاة أي معايير.
وسائل الإعلام التقليدية ببساطة فقدت احتكارها للمعلومات، ودخلت في حالة تنافسية مع أفراد خدمهم حظهم في أن يكونوا في موقع الحدث أو أنهم هم أصلا الحدث، ولا يردعهم عن نقل المعلومات أي رادع (ارمِ المعلومة بالسوق ثم فكر بالعواقب)، وكثيرا ما حبسنا أنفاسنا بسبب أخبار عن سلوكيات اجتماعية أو حوادث سير أو جرائم دموية بشعة تبين أنها لم تكن في بلدنا أو أنها مشاهد تمثيلية.
هؤلاء الأفراد أو (الأقليات الصارخة) يتبعون نظرية الاستخدامات والإشباعات دون أن يعلموا، فهذه النظرية التي وضع أسسها «إليهو كاتز» الأميركي في أوائل الستينيات وتسيدت المشهد في بداية التسعينيات عند انتشار الإنترنت، إذ تعد الوحيدة التي تناقش عكس المفهوم العام للنظريات «إن الإعلام يؤثر على الفرد والمجتمع»، بل تعتبر الأفراد هم من يؤثرون على وسائل الإعلام، وتعتبر أن المواد الإعلامية ما هي إلا منتجات يجب أن تتناسب مع أذواق الجمهور المتلقي.
على أي حال يطول الحديث عن هذا الواقع الذي تجد من يدافع عنه تحت بند حرية الأفراد في التعبير عن رأيهم تارة، وبند يبرر وجود هذه الأقليات الصارخة بسبب غياب وسائل الإعلام التقليدية (الرئيسة) Main Stream Media عن الأحداث الوطنية المهمة أو تأخرها عن نقل المعلومات المرتبطة بهذه الأحداث تارة أخرى.
ولست هنا بصدد الانضمام إلى قوافل المنظرين على الأردنيين في نظريات الإعلام، بل سعيت لتسليط الضوء على أهمية استعادة وسائل الإعلام التقليدية (صحف ووكالات أنباء ومحطات تلفزة وحتى المواقع الإلكترونية) مكانتها وثقة الجمهور فيها، لأنها الوحيدة التي من المفترض ما تزال تتبع المعايير المهنية عند نقل المعلومة.
وببساطة، فإنه من دون دراسات تحدد اتجاهات الجمهور واهتماماته لن تتمكن وسائل الإعلام من الوصول إليه وكسب ثقته، فالواقع الحالي كمثل من يصرخ من شرفة منزله عن العولمة وأثرها ورغم أنه في حي مزدحم بالناس لم يلتفت إليه أحد، لأن أحدهم جلب انتباههم بعروضه لأنه ببساطة عرف ما يهم الجمهور.
علينا إذا أردنا كإعلام أن نستعيد ثقة الناس، أن نعرف أولا ما الذي يريده الجمهور لنتمكن من تطوير رسائلنا لتكون منسجمة مع اتجاهاته لنضمن على الأقل في البداية أن يستمع إلينا، ومن ثم يصدق من نقدمه، وأخيرا أن يتم التأثير في أفكاره وأنماطه السلوكية بما تنشره وسائل الإعلام من محتوى.
في المحصلة نخسر الكثير من الفرص في الوصول للناس لأننا لم نحاول الخروج من مساحات الراحة والأمان والطريقة النمطية في العمل التي نمارسها يوميا، إلى التفكير خارج الصندوق من أجل الوصول إلى افكار جديدة تمكننا من استعادة الثقة… تدرون لماذا؟ لأن العمل يثير الغبار وصوته عال، مما يزعج البعض الراغب بالراحة.

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock