فكر وأديان

الإعلام والشهر الفضيل

أسامة شحادة

عبر تاريخ الأمة المسلمة الممتد لـ1400 عام، يُستقبل الشهر المقدس -شهر رمضان المبارك- بكل تعظيم وتبجيل وتقدير يليق بمكانته، فهو الشهر الذي أنزل فيه الكتاب المقدس “شهر رمضان الذي أنزل فيه القرآن هدى للناس وبيّنات من الهدى والفرقان” (البقرة: 185)، وفيه أيضاً ليلة القدر، وهي خير ليالي العام بسبب نزول القرآن أيضاً “إنا أنزلناه في ليلة القدر* وما أدراك ما ليلة القدر* ليلة القدر خير من ألف شهر” (القدر: 1-3)، فبسبب نزول الوحي الرباني المقدس تقدس شهر رمضان وأصبح موطن البركة والرحمة والمغفرة، ولذلك جاء الوعيد الشديد لمن أدرك الشهر المقدس وخرج منه ولم يُغفر ذنبه!
فعن جابر بن عبد الله رضي الله عنهما، أنَّ النبي صلى الله عليه وسلم رَقِي المنبر، فلمَّا رقي الدرجة الأولى قال: “آمين”، ثم رقي الثانية فقال: “آمين”، ثم رقي الثالثة فقال: “آمين”، فقالوا: يا رسول الله، سمعناك تقول: آمين ثلاث مرات؟ قال: “لما رقيت الدرجة الأولى جاءني جبريل -عليه السلام- فقال: شَقِي عبدٌ أدرك رمضان فانسَلَخ منه ولم يُغفَر له، فقلت: آمين، ثم قال: شَقِي عبدٌ أدرك والدَيْه أو أحدَهما فلم يُدخِلاه الجنة، فقلت: آمين، ثم قال: شَقِي عبدٌ ذُكرتَ عنده ولم يصلِّ عليك، فقلت: آمين”، أخرجه البخاري في كتابه “الأدب المفرد” وصحّحه الألباني.
وقول جبريل “رغم أنف” دعاء عليه بالذل والخزي بأن يلصق أنفه بالأرض، وقد أمّن على هذا الدعاء النبي صلى الله عليه وسلم، ذلك أنه في شهر رمضان المقدس تصفد الشياطين وتفتح أبواب الجنة ويعتق الرحمن في كل ليلة منه عتقاء كثيرين، ويمتنع المسلم عن الطعام والشراب واللذة ليتخفف من عالم الأشياء ويتفرغ للعلاقة بالله عز وجل بالطاعة التامة له والتفرغ لتلاوة القرآن وصلاة القيام، فمن ضيع ذلك كله وأعرض عن أسباب المغفرة فهذا مخذول.
ولقد عاشت أمتنا المسلمة طيلة تاريخها وهي تستقبل رمضان بالطاعات والنوافل والمستحبات، ولكن في العقود الأخيرة بدأت مرحلة غريبة عن تاريخ الأمة المسلمة وهي استقبال رمضان بكل أصناف الفحش والمنكرات والتوافه، بل وأصبح هذا الزمن المقدس موسما ينتظره الفجار والأشرار للتنافس في عرض شرورهم ومنكراتهم، وللإعلام قصب السبق في ذلك!
ولقد ضج من هذا الإسفاف قطاعات كثيرة من الناس لما تمادى فيه السفهاء والأشرار من غي وفجور في زمن مقدس بكل وقاحة وصفاقة، فهذه الزميلة حنان الشيخ تكتب في “الغد” بعنوان “دراما رمضانية 18+”: “ما يعرض هذه الأيام على القنوات الفضائية لا يرقى لكونه مقبولاً للمشاهدة من قبل العائلة العربية لا في شهر رمضان ولا شوال!”؛ حيث انتقدت مضمون مسلسل “الهيبة” السوري وترويجه لمساكنة الفتيات العازبات لشباب عزاب في شقق مشتركة، في ترويج صارخ للقيم الغربية المنحلة! وتقديم بطل المسلسل كتاجر مخدرات يكسر القانون بدون اكتراث، وكيف أن الإعلامية المشهورة جعلت من جسدها سلما للشهرة!
وأيضا الزميل إبراهيم جابر كتب في “الغد” مقالاً بعنوان “ما يحدث قبل أذان المغرب”، قال فيه: “علينا أن نعترف بأن شهر رمضان المنذور للعبادة لم يعد له في الإعلام العربي أي علاقة بالعبادة، وأن ما يحدث على شاشة التلفزيون هو استخفاف بقيم رمضان ومعانيه، ومتاجرة به”.
وهذا التدنيس الإعلامي للشهر المقدس يقوم على مستويات عدة، هي:
1 – إشغال الزمان المقدس بالشهوات والملذات، ففي انتظار أذان المغرب -وهو وقت دعاء وابتهال فردي- يتم بث ملهيات عن ذكر الله عز وجل تحت عناوين رقص صوفي أو موسيقي مع مذيعات مائعات!
وعلى مائدة الإفطار لا يتركون لك فرصة لتفكر بشكل إيجابي تجاه صومك، فتراهم يشحنون فترة الإفطار ببرامج هابطة في كلماتها وفكرتها وأثرها.
ومن ثم يتم إشغال وقت صلاة العشاء والتراويح وقيام الليل وتلاوة القرآن بالمسلسلات الهابطة والإعلانات الخادشة للحياء والبرامج الوقحة حتى يؤذن الفجر.
وبذلك يضيع الزمن المقدس بدون صلاة أو ذكر أو تلاوة للقرآن أو دعاء للرحمن واستغفار، بل يملأ بشهوات مسعورة ولَذات محرمة مسمومة، وتتضاعف المصيبة في قضاء هذا الوقت في المطاعم والمتنزهات؛ حيث يضيع هذا الوقت المبارك مع الشلة في لعبة شدة أو طاولة مع شيشة وسهرة طربية!
2 – تهيج النفس على الاستهلاك والتعلق بالأشياء في الشهر المقدس الذي يدعو للترفع عن المادة والأشياء والاعتناء بالروح والتعلق بعالم الغيب والوحي وقراءة القرآن.
فتجد الفضاء مزدحما بالإعلانات عن كل أصناف الطعام من كل أقطار الدنيا، ويصبح شهر رمضان فرصة لتجربة كل أنواع الحلويات في المجرة، ومؤخراً أصبح الشهر المبارك موسما للتنزيلات وتبديل العفش والسيارة وقضاء الإجازات في المصايف!
وهذا كله تفريغ للشهر المقدس من حقيقته وروحه، والتي تبغي تحرير الإنسان من العبودية للأشياء كما أرشدنا نبينا عليه الصلاة والسلام، بقوله: “تعِس عبد الدينار والدرهم والقطيفة والخميصة، إنْ أُعطِي رضي، وإن لم يُعطَ لم يرضَ” رواه البخاري.
ومتى تحرر الفرد والمجتمع من عبودية عالم الأشياء= عالم الاستهلاك اقتربت النهضة واقترب النصر، فما المديونية الضخمة التي ترزح تحتها الأسر والشعوب إلا نتيجة حمى الاستهلاك التي تديم هيمنة الرأسماليين على العالم، فكلما تحرر المسلم من هيمنة الأشياء والاستهلاك النفعي غير المنتج نجا من نيران القروض الربوية ونجت مجتمعاتنا من ضغط المديونيات الخانقة.
فمن أدرك حقيقة العبودية لله عز وجل وعقيدة التوحيد يفهم كيف أن العبادات كالصيام تقوي الفرد المسلم والمجتمع المسلم للتحرر من العبودية لغير الله عز وجل ومقاومة كل ظالم ومعتدٍ ومحتل، ولذلك يتحالف الرأسمالي الجشع مع الإعلامي الانتهازي لاستدامة الهيمنة على الشعوب وتخديرها بالشهوات والملذات الاستهلاكية، وهذا أمر ينطبق على عالم الإعلام من هوليوود حتى أصغر قناة في العالم.
3 – في الوقت الذي يجب فيه الصيام عن الشهوة الحلال بين الأزواج، يقوم الإعلام بتدنيس قداسة شهر القرآن الكريم بالتركيز على ترويج وتزويق كل الشهوات المحرمة من الزنا والشذوذ بكل صورهما وأشكالهما وبشكل مباشر وغير مباشر، فغالب الدراما الرمضانية تقوم على خيانة الزوج والزوجة، أو تحرر العلاقات، أو أن غالبية المواليد هم غير شرعيين، وأن هذه هي الحالة الطبيعية في المجتمعات الإسلامية، كما يفعل مسلسل “العاصوف” السعودي، وأن رفض ومنابذة الزنا والإباحية هي حالة شاذة تسببت بها الصحوة الإسلامية!
وتدنيس المضمون الإعلامي في الشهر المقدس لم يعد يقتصر على المضمون الشهواني بل ضموا إليه تدنيس المضمون الفكري من خلال إبراز وتلميع بعض العاهات الفكرية وتقديمها للجمهور بوصفهم مفكرين متنورين يقدمون الإسلام المعتدل والدين الوسطي، بينما في الحقيقة أن هؤلاء من أشد الناس عداوة للدين والإسلام، وقد نجح الجمهور والمجتمع في الضغط هذا العام لإيقاف إحدى هذه المهازل بعد بث حلقتين منها في مطلع رمضان على إحدى الشاشات الخليجية.
وهذا الحال الفاسد يلقي على الصائمين والصائمات مسؤولية الوعي بخطورة هذه الحرب، والتصدي لها بشكل إيجابي، بالمقاطعة التامة للكثير من المنابر الإعلامية المدنِّسة لقداسة شهر رمضان، والحرص على تحقيق مقاصد الصوم، وهي تقوى الله عز وجل والارتباط بالقرآن الكريم وعقائده وأحكامه، والصبر على ذلك وتعاهد الأهل والأبناء والأصدقاء.

مقالات ذات صلة

إغلاق
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock