أفكار ومواقف

الإعلام يهدد السلم العالمي!

كان هذا السؤال قد طرح على نحو “هل تمثل المؤسسات الإعلامية الأميركية تهديداً للسلم العالمي؟” من قبل أستاذ علم اجتماع الاتصال إريك كليننبرج عام 2004 في ضوء القوانين التي أقرت عام 2003 من قبل اللجنة الفيدرالية للاتصالات والكونغرس الأميركي تحت عنوان “تحرير الإعلام”، التي عملت فعليا على زيادة الاحتكارات الإعلامية واغتيال التعددية والتنوع، وكانت نتيجتها المعروفة حجم التضليل الذي مورس على الرأي العام الأميركي في حرب احتلال العراق قبيل الحرب وخلالها وما يزال إلى اليوم الذي تأتي فيه الحقيقة متأخرة بعد أن تدفن القضية.


حالة القلق الديني التي تسود العالم عبر موجات متعددة وآخرها قصة كنيسة دوف في فلوريدا والقس تيري جونز وأزمة التهديد بحرق المصاحف وتداعيات بناء المركز والمسجد الإسلامي في مدينة نيويورك وغيرها عشرات القصص التي ترفع وتيرة القلق الديني بين الثقافات، هي صناعة إعلامية بالدرجة الأولى تنذر بموجات متتابعة من العنف المتبادل الذي لا يوجد له مبررات حقيقية على أرض الواقع.


على المستويات المحلية تقود ووسائل الإعلام في العديد من المجتمعات موجات جديدة من القلق وعدم الاستقرار، وعلى حد سواء في النظم التي ما تزال وسائل الإعلام فيها تخضع للملكية العامة أو الأخرى التي حررتها، ولنأخذ على سبيل المثال اتجاهات المنتجات الإعلامية التي قدمتها الشاشات العربية خلال شهر رمضان، الذي يعد وقت الذروة في الإغراق الإعلامي وتحديدا الدراما التلفزيونية، ومن الملاحظ ممارسة الإكراه السياسي أي جبر الناس على نمط سياسي أو ثقافة سياسية، مثل “مسلسل الجماعة”، أو التركيز على نقد وتشريح المجتمع وتعريته، وعلى الأغلب النقد الذي يجعل من الاستثناء قاعدة.


هذه النتائج المحلية هي استجابة لما حدث وما يزال يحدث في المجمعات الصناعية العملاقة للإعلام، فقد أثبتت دراسة أجريت في الولايات المتحدة في مطلع العقد الحالي أن الأخبار التي تركز على أداء الحكومة ومراقبة السلطات قد انخفضت من واحد لكل ثلاث قصص إخبارية، إلى واحد لكل خمس قصص إخبارية، بينما ارتفعت التغطية لحياة المشاهير وقضايا الحوادث ونقد المجتمع من واحد لكل خمس قصص، إلى واحد لكل أربع عشرة قصة إخبارية، أي أن التركيز والاحتكار وغياب التعددية في وسائل الإعلام قادها في حقبة جورج بوش، إلى الانسحاب من متابعة ومراقبة السلطات إلى إشغال الناس بالناس.


وكالعادة، فبينما تنتشر الكذبة في أرجاء المدينة كافة تتعثر الحقيقة، فإن هناك الكثير مما في جراب الحاوي ما يزال ينتظر اكتشافه عبر عقد من صناعة التضليل الإعلامي.


منذ مطلع التسعينيات توالى ظهور مؤشرات عديدة في منظومة العمل الصحافي في العالم، تضرب في العمق مفهوم المسؤولية الاجتماعية للإعلام وتنذر بإهدار نظم أخلاقيات العمل الإعلامي تحت وطأة سلطة أنماط من الاحتكارات والعولمة وعملياتها وحروبها، وما نتج عنها من إطلاق شهية مخاطبة النزعات الاستهلاكية للجماهير واستثمار أنماط تفسيرية بائسة لمفهوم الحرية وحدودها، وهي السياقات السياسية والثقافية التي حولت الإعلام إلى مضامين واضحة من الدعاية، حيث أصبح الإعلام وبشكل شبه مكشوف طرفا في الصراعات الدائرة ومتلقيا سلبيا يتشكل وفق إرادات صانعي الأحداث، ما جعل العالم يشهد خلال سنوات العقد الأخير حالة من الشغب والضجيج الدعائي الهائل الذي يمكن أن يكسب كل شيء ويخسر الحقيقة.


[email protected]

تعليق واحد

  1. أين إعلامنا من كل هذا
    لقد شاهدت بالأمس برنامجا على الجزيرة الوثائقية حول نفس الموضوع يتحدث عن الفرق بين الإعلام الأمريكي والإعلام البريطاني في النظر بموضوعية إلى الصراع العربي الإسرائيلي وكيف يحاول الأمريكيون تصوير إسرائيل على أنها ضحية للإرهاب العربي بينما تذكر وسائل الإعلام البريطانية على استحياء أن المشكلة هي في الاحتلال وأن ما يقوم به العرب (الفلسطينيون) هو مقاومة يائسة قد تؤدي إلى تخفيف معاناتهم من الاحتلال وتوابعه من قضم للأرض وحصار وغيره، وكما قال الأستاذ باسم إعلامنا منشغل بمشاكل الناس سواء في الأخبار أو الدراما، وهناك سطحية شديدة في الطرح تستجيب بالدرجة الأولى لرغبات السيد الأمريكي وتبتعد عن كل ما يدور على الأرض من حقائق، وفي هذا العالم المتصل معلوماتيا وإعلاميا يبقى الإعلام العربي بعيدا عن تحقيق أي نتائج، فإلى متى وكيف نخرج إعلامنا من هذه البوتقة

زر الذهاب إلى الأعلى

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock