;
آخر الأخبار حياتناالسلايدر الرئيسيحياتنا

الإفراط بالمشاعر.. هل يرهق الفرد ويغير طباعه؟

رشا كناكرية

لطالما كانت أمل (27 عاما) معطاءة في كل شيء لدرجة المبالغة، حيث تبادر في تقديم المساعدة لغيرها دون تردد، إلا أنها قررت بعد خوض عدة تجارب حياتية أن تضع حدا فاصلا لهذا العطاء، فقد كانت تقدم الكثير من مشاعر الحب والاهتمام لتلقى غياب التقدير واللامبالاة من الاشخاص الآخرين.

دخلت أمل بعلاقات اجتماعية سببت لها الأذى، ففي الوقت الذي كانت تقدم فيه الكثير من الحب الذي كان واضحا في معاملاتها، كانت تتلقى “اللامبالاة” وعدم الاهتمام بمشاعرها.

مواقف كثيرة مرت بها مع أصدقاء وأحباء جعلتها تعيد التفكير في تعاملها مع الآخرين وتحديدا في مبادرتها الدائمة، وتقول “أدركت أن العطاء جزء مني، ولكن الافراط به لمن لا يستحق هو هدر للوقت، وعليه أصبحت أقدمه باتزان، بحيث لا يسبب لي الأذى”.

بعد كل الذي مرت به، باتت أمل تفكر جليا قبل الاقدام على أي تصرف خوفاً من أن يتم استغلال عطائها كما حصل من قبل، إذ إن غياب التقدير والاحترام أدخلها في حالة نفسية صعبة وكآبة سيطرت عليها، وكان قرارها بألا تتخلى عن عطائها، ولكن أصبحت حذرة في اختيار من تقدمه له.

بينما عمر(31 عاما) يدرك تماماً أن الانسان عليه أن يتوازن في عطائه سواء في التصرفات أو المشاعر، فالاشخاص يختلفون في التفكير والتعبير عن المشاعر.

تعلم عمر في صغره وجود حد عليه ألا يتجاوزه، لذلك اعتمد اختبارات مستمرة كشفت له بمواقف واضحة الاشخاص الذين حوله وكيف يفكرون.

بدوره يبين الاختصاصي النفسي الدكتور علي الغزو أنه من غير الممكن التحكم في المشاعر، لذلك فإن الافراط في أي أمر يؤذي الإنسان “فإذا زاد الأمر عن حده انقلب ضده”.

ويوضح الغزو وجود أبعاد للافراط تسبب اضرارا نفسية وسلوكية، لذلك، فإن المشاعر وأن كانت من طرف واحد يصعب السيطرة عليها، لذا من المهم وضع قاعدة عامة تضبط المشاعر، ورسم طبيعة العلاقة بين الشخص وغيره، ووضع النقاط على الحروف حتى تكون مشاعره في قالب صحيح من دون مبالغة، وليصل للشكل المتوازي والمعاملة بالمثل.

ويلفت الغزو إلى أن المشاعر مبنية في الأساس على جانب سلوكي، ولا نستطيع أن نفصل الجانب النفسي عن السلوكي، لأن المشاعر مبنية على سلوكيات، لذلك ما يقدمه ويفعله الإنسان للآخرين من حب وكره أو اهتمام وتقدير وثقة وجميع هذه المفاهيم النفسية تتولد نتيجة سلوكيات، فليس هنالك مشاعر تأتي من فراغ “عندما أحب شخصا ما وأبادله نفس المشاعر بالتأكيد هنالك أمر ما لمسته”.

ويشير الغزو الى صعوبة أن يفهم الإنسان طبيعة العلاقة مع الآخرين، وهذا الأمر يسبب الارهاق النفسي للطرف المعطاء ويدخله في دوامة نفسية لا تنتهي.

ويلفت الغزو الى أنه ليس من السهل على الفرد أن يخرج من هذا الموقف حينما يعطي من قلبه، لكن تكون النتائج مخيبة بجحود الأطراف الاخرى.

ويؤكد الغزو أن أي إنسان عليه أن يكون معطاء، ولكن ألا يبالغ لكي لا يصيبه ضرر نفسي، فهو من سيدفع ضريبته لأن بعض الأشخاص من الصعب أن يخرجوا من ثوب العطاء والمبادرة ومساعدة الآخرين، فهو شعور جميل بالنسبة لهم ويدخل السرور إلى قلوبهم لمجرد تقديم المساعدة للغير، ولكن يجب أن نعلم متى وكيف ومع من.

ويشير الغزو إلى أن الاشخاص الذين يتعامل معهم الفرد بشكل مستمر من السهل جدا أن يكتشفهم من خلال طلبه لأمر ما واختباره ليقدم له مساعدة قد لا يكون بحاجتها، ولكن ليرى معدن هذا الانسان، منوها إلى أن البعض يلجأون لاختبار الاشخاص الآخرين وعواطفهم ومشاعرهم اتجاهه وصدقهم ومواقفهم، وحينما تشكي همك لطرف آخر وتراه غير مبال أو مكترث، وأن مصلحته فوق أي اعتبار تصاب بالاحباط.

الحياة والتجربة دائما خير دليل وبرهان، ولكن من دون اطلاق أحكام عامة وتعميم خاصة في موضوع العلاقات والتجارب السابقة والحب، وفق الغزو، مبينا أن على الإنسان أن يدرك أن عدم اهتمام شخص في موقف معين قد يعود لمروره بظرف نفسي أو يمر بحالة نفسية سيئة لا تسمح له بمبادلتك المشاعر التي تنتظرها منه، لذلك فإن العامل الزمني وطبيعة الموقف والمكان والأشخاص والقدرة يجب أن توضع في الحسبان.

ومن جانب آخر هنالك بعض الأشخاص لا يمتلكون مهارات للتعبير عن مشاعرهم وعواطفهم اتجاه الاخرين، لذا من المهم عدم التسرع بالحكم، فالأيام كفيلة بأن تكشف طبيعة الأشخاص وليس من موقف واثنان بل من عدة مواقف، فكلنا لنا ظروف خاصة، لذلك علينا أن نكون عقلانيين ومنطقيين. وفق الغزو.

ويؤكد الغزو أن الانسان المعطاء لديه بذرة خير بداخله ولا يصل مرحلة فقدان الثقة بشكل مطلق بل قد يكون على مراحل. مشيرا إلى أن العطاء يمنح شعورا بالسعادة إن كان بحده المعقول.

ومن الجانب التربوي يبين الدكتور عايش نوايسة، أن العطاء يرتبط بالحب وهو عبارة عن السعي نحو التكاملية، لأن هذا الشخص لديه الصفات التي تتكامل مع شخصيتك، والتي أنت تتعمق بها وتحبها.

ويتابع، الاهتمام هو الخطوة الاهم في أي علاقة، ففي جانب العطاء ما لم يكن هنالك اهتمام متبادل فإنه يفقد قيمته، وفي بعض الاحيان ردود الافعال هي التي تحدد شكل الاهتمام ونوعه، لذلك فإن القضايا التي ترتبط بالمشاعر هي قضايا لا إرادية لا تنتهي ولا تلغى.

ويشير نوايسة إلى أن سلوك العطاء لا يستطيع الطفل أن يكتسبه، الا اذا كان سلوكا يكتسبه من عائلته وممارسة السلوك في الحياة اليومية من عطاء ومودة ومحبة.

والطفل لا يتعلم نظريا وإنما بالقدوة، فالوالدان يمارسان السلوك أمامه، ويرى العطاء من الأب له وما بين والديه واخوته والسلوك العام في محصلة الأسرة، إذا كان يندرج تحت جانب العطاء من الطبيعي أن يخرج الطفل للمجتمع بشخصية معطاءة وايجابية ويتعاطى مع المشاعر وهذا أصل البناء في الاسرة من الجوانب التربوية، بحسب نوايسة.
ووفق نوايسة، هذه السلوكيات تنعكس عمليا وتطبق في المدرسة مع أصدقائه ومعلميه وكل المحيط الذي يعيش فيه ولكن الميدان الحقيقي له هو الأسرة.

ويبين نوايسة أن الأب إذا مارس السلوك أمام الطفل وعلمه الجوانب الأساسية وأين الصواب والخطأ سيكون الطفل قادرا على أن يميز ولا يقترب من الشخص السيئ، والأصل أن نعلمه أن يكون ايجابيا حتى مع الاشخاص السلبيين.

ومن جهة أخرى فإن البعض أناني ويستغل الإنسان المعطاء وفق نوايسة، لهذا عليهم أن يكونوا حذرين فقد لا تكون ظاهرة، ولكنها واقع موجود وعلينا أن نتعايش معه، ولكن الأخلاق الإيجابية تنتصر في النهاية حتى لو جميع المجتمع فكر بطريقة سلبية، يجب ألا نشجع الاطفال أو نعلمهم أن يتعاملوا بهذه الطريقة، فلذلك أثر سلبي ويعلّم الانانية.

ويكمل، هذا خطر على سلوكه والأصل تعليمه كيف يكون إنسانا ايجابيا في كل الحالات الموجودة لديه، ففي النهاية القيم الاجتماعية والدينية تحكم السلوك، وبذلك يميز بين الإنسان الصحيح والخاطئ، ويبتعد عن الإنسان الخاطئ وينسحب، فالعطاء المتوازن للشخص الصحيح جزء أساسي من حياة أي طفل.

اقرأ أيضاً:

زر الذهاب إلى الأعلى

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock