أفكار ومواقف

الإفراط في التفاؤل وخدعة الأرقام

لا نريد أن نأخذ مكان أهل الاختصاص والخبرة في مجال الأوبئة ونقول كلاماً مخالفاً لمنسوب التفاؤل المرتفع لديهم الذي يشير لحدوث تحسن نسبي خلال الأسابيع الأخيرة؛ هذه حقيقة إيجابية ولكن الحذر واجب من الارتدادات العكسية المتوقعة بأي وقت ولذلك لا بد من الحديث بصراحة.
في الأيام الثلاثة من هذا العام سجلت 3714 إصابة مؤكدة من 56704 عينة وتوفي 69 شخصا؛ بالمقارنة مع ما يجري في محيطنا العربي ما زلنا في الصدارة، هناك دول تسجل أقل من مائة إصابة يومياً السعودية مثلاً، بينما نجد أن الإمارات العربية المتحدة وخلال الأيام الثلاثة الأولى أجرت وحسب التقرير اليومي 422956 فحصا تبين وجود 5428 إصابة مؤكدة و12 وفاة فقط.
مهم أن نتوقف عند قراءة الأرقام لدينا ومقارنتها وخاصة الوفيات التي ما زالت مرتفعة فكل من يصل للتنفس الصناعي نادراً ما تكتب له الحياة.
لا أريد أن أقارن بأرقام بعض الدول التي ربما تغيب الشفافية عن أرقامها ولكن أسوق هذه المقارنات للإشارة إلى أن أي تسرع في الانفتاح مهما كانت المبررات هو أمر يتجاوز حدود المغامرة ليضعنا في دوائر المخاطرة التي قد تعيدنا للمربع الأول لا سيما أن الضخ الإعلامي حول كون كورونا مؤامرة ما زال موجوداً.
لنتذكر أن الدول التي بدأت في حملات كبرى للتطعيم للعودة تعود للإغلاق العام؛ بريطانيا، ألمانيا، إسبانيا وغيرها بما فيها بعض دول المنطقة كلبنان والمغرب والسلطة الفلسطينية وتونس.
بينما تسابق الدول الزمن للحصول على اللقاحات وإعطائها لأكبر نسبة من المجتمع ما زال علينا الانتظار لشهر شباط وقبل ذلك إقناع الناس بسلامة المطعوم في الوقت الذي قطعت فيه الدول المجاورة شوطاً مهماً؛ البعض تجاوز إعطاء اللقاح مليون فرد في اليوم الأخير من العام الماضي.
هذا الكلام ليس تقليلاً من الجهود الكبيرة التي تقوم بها الحكومة الحالية وأعتقد أن الإجراء الحقيقي للحصول على اللقاحات والتعاقد تم في عهدها بينما بشرنا المسؤولون السابقون الذين كانوا يديرون الملف بتعاقدهم على ملايين الجرعات التي ستصلنا مجرد ظهور اللقاح وإجازته في اليوم التالي ليتبين لاحقاً بأنها مجرد تمنيات وكلام مدهون بزبدة الوعود.
الدول الشبيهة بحالتنا اقتصاديا تسعى للتعاقد مع شركات أخرى غير فايزر وموديرنا وتحديداً شركة استرزنكا التي طورت مع جامعة أكسفورد لقاحا هو الأرخص ثمنا بحيث لا يتجاوز سعره ثلاثة دولارات ويعتمد على التقنية التقليدية في المطاعيم التي يتلقاها الناس منذ سنين ولديه مأمونية مرتفعة تفوق معظم المطاعيم السابقة وكذلك اللقاح الصيني الذي تنتجه شركة سينوفارم وتصل مأمونيته لنسبة 79 %، ولقاح جونسن اند جونسن الذي يختلف عن بقية المطاعيم كونه جرعة واحدة.
الجهود الكبيرة التي تقوم بها وزارة الصحة مهمة وتستحق الثناء ولكن هناك ضرورة لعدم التسرع في أي انفتاح أكثر قبل الشروع في حملة اللقاح التي يجب ألا تتأخر كثيراً والعمل بأقصى سرعة على تنويع مصادر اللقاحات حتى لا نبقى تحت ضغط الشركات الكبرى فأي يوم تأخير سندفع كلفته صحياً واقتصادياً.
المهمة التي يتوجب مناقشتها بجدية وهي كون اللقاح اختياريا وهذا مفهوم في إطار حق حرية الإنسان ولكن ماذا عمن يرفض أخذ المطعوم في حال إصابته وتسببه في انتشار الفيروس هل يقع هذا في إطار الحرية أيضاً؟
بمجرد البدء في التطعيم يجب أن يتحمل أي شخص يصاب ورفض أخذ المطعوم المسؤولية بالمعنى القانوني وقبل ذلك الأخلاقي في إحداث الضرر لنفسه وللآخرين وحسب قانون الصحة العامة.

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock