ترجمات

الإمبريالية في أميركا اللاتينية عفا عليها الزمن: حوار مع وزير خارجية فنزويلا

فيجاي براشاد* – (كاونتربنتش) 27/11/2020

ترجمة: علاء الدين أبو زينة

فيجاي براشاد* – (كاونتربنتش) 27/11/2020
في أيلول (سبتمبر) 2018، قام الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو بزيارة إلى الصين، حيث التقى بالرئيس الصيني شي جين بينغ ووقع سلسلة من الاتفاقيات المهمة حول التجارة والثقافة. وقرب نهاية إقامته، قال مادورو إن البلدين أقاما “علاقة ذات منفعة متبادلة ومكاسب مشتركة”.
من بين هذه الاتفاقيات، كان هناك اتفاق يسلط الضوء على عمق التعاون: بموجب هذا الاتفاق ستشارك الصين مع “لجنة الإسكان الفنزويلية العظمى” في بناء أكثر من 13.000 منزل في ضاحية “أبرشية إل فالي” في كاراكاس. وكان تركيز وسائل الإعلام الدولية قد انصب على شؤون تجارة النفط بين الصين وفنزويلا، وعلى المساعدات من الصين لفنزويلا؛ لكن الروابط بين البلدين تذهب أعمق في الحقيقة، إلى الحياة الاجتماعية للأشخاص الذين يكافحون للخروج من ربقة الفقر والحرمان.
عندما سألت مؤخرًا خورخي أرياسا، وزير خارجية فنزويلا، عن العلاقة بين بلاده والصين، ذكر هذه الآلاف من المنازل بالتحديد. كانت رفاهية الشعب الفنزويلي هي التي تهمه، وليس المواضيع الكبرى الخاصة بالنفط والصناعة فحسب. وقد استثمرت الصين وأقرضت مليارات الدولارات لفنزويلا، في ما كان ضخاً ضرورياً لرأس المال لمجموعة من أعمال التطوير. وأخبرني أرياسا أن الصين “كانت مهمة لضمان سيادة فنزويلا مع تصاعد اعتداءات الولايات المتحدة على مر السنين”.
تضامن في وجه الوباء
في آذار (مارس)، أرسلت الحكومة الصينية شحنتين من المعدات الأساسية لمساعدة السلطات الفنزويلية على مواجهة وباء فيروس كورونا المستجد. وأعقبت ذلك شحنات لاحقة من مجموعات الاختبار وأجهزة التنفس الاصطناعي والأدوية ومعدات الحماية.
وبينما كان يجري تفريغ 55 طناً من البضائع الصينية في فنزويلا في أواخر آذار (مارس)، قال سفير الصين لدى فنزويلا، لي باورونغ: “في الأوقات الصعبة، يكون الشعبان الصيني والفنزويلي معًا”. وجاء وصول هذه المساعدة منسجماً تماماً مع خط الارتباط الاستراتيجي بين الصين وفنزويلا. وبعد شهر لاحقاً، قال باورونغ في إحدى المقابلات: “الصين تدعم بقوة الجهود التي تبذلها الحكومة الفنزويلية لضمان صحة مواطنيها وإنقاذ الأرواح على الرغم من العقوبات الصارمة الإجرامية أحادية الجانب”.
والعبارة الأخيرة مهمة بشكل خاص -“العقوبات الصارمة الإجرامية أحادية الجانب”. وهي تشير إلى السياسة القاسية التي تتبعها حكومة الولايات المتحدة ضد فنزويلا؛ سياسة بدأت في عهد جورج دبليو بوش، وعمقها باراك أوباما، ثم شددها دونالد ترامب، من دون أي مؤشر على تخفيفها من قبل جو بايدن. وفي واقع الأمر، زادت الولايات المتحدة خلال الوباء من ضغطها على فنزويلا، بما في ذلك منع الحكومة من الحصول على المساعدات المالية وإجراء تعاملاتها التجارية العادية، ناهيك عن استخدام التهديدات العسكرية للإطاحة بالحكومة.
الصين تستمر في التجارة
أخبرني أرياسا أن الولايات المتحدة “ذهبت إلى حد القيام بأعمال من القرصنة الحديثة، حيث تقوم بإيقاف السفن في وسط المحيط وسرقة البضائع التي دفع ثمنها الشعب الفنزويلي”. ولم تحاول الولايات المتحدة فرض حصار على فنزويلا فحسب، بل إنها استمرت في التدخل في الشؤون السياسية للبلد. ويشمل ذلك محاولة تقويض الانتخابات التشريعية المقرر إجراؤها في 6 كانون الأول (ديسمبر).
من جانبها، تجاهلت الصين إلى حد كبير العقوبات الأميركية ضد فنزويلا، أكبر متلق للقروض الصينية. وقال لي أرياسا: “عندما تعلن الصين أنها ستستمر في التجارة مع فنزويلا، فإنها تقف ضد عدم شرعية الإجراءات القسرية التي تفرضها أميركا على فنزويلا”. ويُنظر إلى الصعوبات التي تواجهها فنزويلا في خدمة الديون المستحقة للصين في بكين على أنها تجيء نتيجة لنظام العقوبات غير القانونية، الذي جعل النشاط الاقتصادي الطبيعي للبلد مستحيلًا؛ وبذلك تكون استراتيجية “رأس المال الصبور” التي تنتهجها الصين وفهمها للضغط الجيوسياسي على فنزويلا هما المفتاح لفهم علاقتها مع البلد.
الولايات المتحدة مرحبٌ بها للتجارة
في العام الماضي، طورت الولايات المتحدة برنامجًا جديدًا يسمى “أميركا كريس”، وهو مبادرة حكومية لمساعدة الشركات الأميركية الخاصة على الاستثمار في منطقة البحر الكاريبي وأميركا اللاتينية؛ حيث الغرض الصريح من البرنامج هو قطع الطريق على الاستثمار الصيني في المنطقة.
قال لي أرياسا: “الولايات المتحدة موضع ترحيب لتقديم برنامج تزيد تواجد شركاتها في بلدنا، ولكن ليس لها الحق في منعنا من التجارة والشراكة مع أي طرف نراه أكثر فائدة لمصالحنا الخاصة”. ليست الصين أو فنزويلا هي التي تستخدم الضغط السياسي لعرقلة استثمارات القطاع الخاص الأميركي -إذا كان الاستثمار مفيدًا للبلاد- لكن الحكومة الأميركية هي التي قالت صراحة إنها ترغب في منع الاستثمار الصيني في نصف الكرة الأرضية الغربي.
وكان وزير الخارجية الأميركي، مايك بومبيو، قد زار غويانا مؤخراً للضغط من أجل استثمار شركة النفط “إيكسون موبيل” في البلد؛ وخلال زيارته القصيرة هناك، طلب بومبيو من حكومة غويانا، برئاسة عرفان علي، أن تصرف أنظارها عن الصين. وقال لي أرياسا: “غويانا، مثل فنزويلا، وأي دولة أخرى في العالم، إذا كان ذلك يهم، لها الحق في اختيار من هو الذي تتشارك معه. لكنّ من الواضح أن الولايات المتحدة لا تستطيع فرض برامجها على قارتنا أو التظاهر بأن لها أي حقوق حصرية كشريك تجاري”.
واقترح أرياسا أن قيام الحكومة الأميركية بتطوير برنامج “أميركا كريس” ينتمي إلى “مبدأ مونرو 2.0″، في إشارة إلى مبدأ مونرو للعام 1823 الذي استخدمته الولايات المتحدة للمطالبة بنفوذ إقليمي لها على طول نصف الكرة الأرضية الأميركي. وقال أرياسا: “الاستعمار أصبح شيئاً بالياً عفا عليه الزمن في هذه المنطقة. لا يمكننا أن نسمح بفرض سيناريو حرب باردة جديدة على منطقتنا”.
الصين تلتزم بعدم التدخل
كافحت الحكومات في أميركا اللاتينية ومنطقة البحر الكاريبي التي تربطها علاقات وثيقة بالولايات المتحدة خلال هذا الوباء لإدارة علاقاتها مع الصين. وأعلن وزير الصحة البرازيلي في تشرين الأول (أكتوبر) أن بلده سيشتري لقاحات “كوفيد-19” من الصين؛ وكتب الرئيس جاير بولسونارو، وهو حليف قوي لترامب وبومبيو، بجرأة على تويتر: “لن يكون الشعب البرازيلي حيوان تجارب لأي أحد”، حيث رفض شراء هذه اللقاحات لأسباب جيوسياسية فقط.
ومع ذلك، كان على العديد من هذه الحكومات الاستمرار في التجارة مع الصين، الاقتصاد الرئيسي الوحيد في العالم الذي تمكن من الخروج من ركود فيروس كورونا. ويقول أرياسا إن الصين تتاجر مع الدول من دون أي تدخل في شؤونها الداخلية. وهذا يختلف تمامًا عن النموذج الغربي، لا سيما النموذج الذي يشرف عليه صندوق النقد الدولي، الذي يدفع من أجل التكيف الهيكلي إلى جانب القروض التي يقدمها. ولأن الصين تحترم الخيارات السيادية لأي بلد، كما قال لي أرياسا، فقد “أثبتت الصين أنها شريك موثوق للمنطقة، ويمكنها الاستمرار في لعب دور رئيسي في تنميتنا لأعوام عديدة مقبلة”.

*نشرت هذه المقابلة تحت عنوان: Why Imperialism is Obsolete in Latin America

*Vijay Prashad: مؤرخ هندي وصحفي ومعلق ومفكر ماركسي. وهو مدير تنفيذي لمؤسسة Tricontinental: Institute for Social Research ورئيس تحرير Left Word Books. شغل منصب أستاذ كرسي جورج ومارثا كيلنر في تاريخ جنوب آسيا وأستاذ الدراسات الدولية في كلية ترينيتي في هارتفورد، كونيتيكت، الولايات المتحدة من 1996 إلى 2017. وفي الأعوام 2013-2014، كان أستاذ كرسي إدوارد سعيد في الجامعة الأميركية في بيروت وزميلًا رفيعاً في معهد عصام فارس للسياسة العامة والشؤون الدولية في بيروت. أحدث كتبه هو “لا يسار حراً: مستقبل الشيوعية الهندية”، (نيودلهي: كتب Left Word، 2015).

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock