أفكار ومواقف

“الإنقاذ” بلا معدات..!

علاء الدين أبو زينة

لا أزعم أن الشقيقة، المغرب، لم تمتلك المعدات أو المعرفة البشرية لإنقاذ الطفل ريان، كما اجتهد البعض شبه واثقين. ربما قرر بعض العرب ذلك لأنهم يعرفون أننا في «العالم الثالث»، ولذلك لا ينبغي أن نصمد في أي مقارنات مع «العالم الأول» أو «الصاعد» في التعامل مع أي حوادث -أو حتى سلوكيات.

كان المناخ الشائع أثناء دراما الطفل المغربي هو إعلان العرب التماهي مع خبرته، باعتبار أنهم جميعا عالقون في غيابة جبُّ بلا قرار ولا فكاك. وكانت أداة التماهي هي الدعاء والأمنيات نفسها. لقد أرادوا بإخلاص أن يمنحهم خروج ريان حيًا، كما فعل يوسف النبي، أملا في احتمال خروجهم من بئرهم هم أيضاً. وكانت النتيجة خيبة أخرى تُضاف إلى كومة الخيبات والهزائم، وكأن صوتاً قدرياً يكرر على مسامعهم لازمة مألوفة: لا سبيل! وستظل الحياة كالمعتاد.

لم، ولن، يخرج العرب من بئرهم –المجازي والواقعي- بالأمنيات والدعوات، ولو كان المبتهلون بمئات الملايين. من مبادئ العرب الإرشادية التي يرددونها ولا يتبعونها الحديث الشريف المهم: «إعقلها وتوكل». والأمثلة النبوية على تطبيقه وفيرة. منها: في معركة أحد، التي قادها النبي نفسه، وضع خطة عسكرية لميدان المعركة، أدى الإخلال بتطبيقها إلى الهزيمة.

وفي معركة الخندق، طلب المشورة واستخدم وسيلة أرضية لتجنب الهزيمة حين احتفر المقاتلون خندقا حولهم لتجنب الاشتباك مع قوات تفوقهم عددا. لم يكن ثمة اعتماد على الدعوات والثقة بنصر من الله بلا أدوات وعمل أرضي. هذه دروس تاريخ العرب. إذا وقعت في بئر، فإنك تحتاج استجماع العناد والأمل ورفض الاستسلام وعدم الكف عن محاولة التسلق.

وليس مثل هذا متوقعا من طفل (حقيقي أو مجازي) ضعيف البنية معدوم الخبرة، لكنه متوقع من شعوب وأمم لا بديل لها عن الحياة. وينبغي أن يقترن هذا الجهد برافعة من خارج البئر. ويمكن تصوُّر أنها السلطات، والعلماء، والمفكرون التنويريون. سوف يكون العمل في الاتجاهين، الذي في البئر يناضل للصعود، والذي في الأعلى يجتهد ليلاقيه في منتصف الطريق وينتشله، هو الطريقة المنطقية لانتصار الحياة.

الفرد الذي قد يصعد من بئر ينبغي أن يكون مزودا بالمعرفة والحكمة والقوة وإرادة الحياة. وهي أدوات يصنعها له المفكرون والمعلمون ليكون صاحب عقل علمي حر، قادر على قراءة الظروف بوعي ومعالجتها بمنطق. لن ينفع الجالس في قعر بئر مسبل اليدين في انتظار المعجزة.

والجزء الأهم تتكفل به سلطات مخلصة، تُعد فرداً قوياً عارفاً. وستفعل حين تؤمن بقيمة الإنسان وحياته. وستُظهر ذلك عملياً برعاية صحته، وحسن تعليمه، وتوفير سبل عيشه، واحترام شخصيته ورأيه ووجوده، والعمل على تحقيق أمنه الاجتماعي والمادي بحيث تقل احتمالات وقوعه في بئر أو مصرف بلا غطاء، أو الموت في حادث سير، أو تقرير الخروج من بئره بالانتحار أو اتباع تنظيم متطرف.

عندما حاول العرب الخروج من بئرهم بـ»الربيع العربي»، كانوا يمتلكون الإرادة والشجاعة، وإنما ليس «الأدوات». أعوزهم التنظيم والفكر اللازمين لجمعهم على بديل صالح وواقعي. لم يجمعم فكر تقدمي وعلمي مختلف مثل الذي جمع الثوريين الأوروبيين في «عصر النهضة»، يكون قد نشره مفكرون تنويريون مثل مفكري النهضة. وفي الحقيقة، لا تستعين السلطات العربية بعمل المفكرين التنويريين، بل تتناقض معهم جذرياً وتستهدفهم وتُسكتهم.

ومعنى هذا فقط أنها مناقضة للتنوير وغير مخلصة بشأن التقدم، ولذلك تصعب المهمة. لن يَخرُج واقعون في بئر بلا عقل ابتكاري يضع الخطط، وعلمي يصنع الأدوات والمعدات لتنفيذ الخطط، سواء كان «الخروج» اقتصادياً أو سياسياً أو عسكرياً أو نفسياً أو أخلاقياً. ولن ينفع شيء من دون التقاء الإرادتين، الشعبية والرسمية، ولذلك يظل الجميع في البئر.

في تفسير هزيمة 1948، لخص سميح القاسم فكرة «الإنقاذ» بلا أدوات وخطة وإرادة. كتب عن سقوط القرى والبلدات من يد العرب تباعاً في يد العدو: «عسكرُ «الانقاذ» خرفان تولّي للشمالْ/ عسكرُ «الانقاذ» يُلقون البنادقْ/ في الخنادقْ/ وعلى الوحل يزتّون النياشين وشارات القتالْ». وقابلتهم «من البئر المحاولة اليائسة لصاحب البئر الذي بلا رؤية ولا أدوات: «وأبي يحشو رصاصات غبيةْ (كنتُ لأضيف: «في بقايا بندقيةْ») بين إلحاح نداءات الرفاقْ: راحت «البروة» يا ويلي على تلك الشقيةْ».

ويقول القاسم: «كنتُ طفلاً آنذاك/ كنتُ أمتص حليب التاسعة». (الطفولة المخذولة في الحالتين). وفي عنوان القصيدة لخص كل قصة الهزيمة: «التعاويذ المضادة للطائرات».

المقال السابق للكاتب

وصفة الفشل للدول، والثورات..!

للمزيد من مقالات الكاتب انقر هنا

زر الذهاب إلى الأعلى

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock