أفكار ومواقفالسلايدر الرئيسي

الإيجابية الغائبة

ماهر أبو طير

منسوب التذمر بين الاردنيين، مرتفع جدا، من حيث الشعور باليأس، والتعبير عن مصاعب الحياة، وتبدد الفرص، وشيوع الفساد، وغياب اليقين، والثقة، وقضايا كثيرة نعرفها كلنا.
خلال السنين الاخيرة ارتفع التذمر الى درجات كبيرة جدا، والذي يقرأ وجوه الاردنيين، سيكتشف هذا الغضب، واليأس، مع الحيرة، حول كل شؤون الحياة، واذا حدثت احدهم عن الايجابيات الموجودة في الاردن، يرد عليك بطريقة سلبية للغاية، في ظل ضنك الحياة، والغلاء، وتضرر الروح المعنوية لاعتبارات كثيرة، اضافة الى الرغبة بالخروج من الاردن، وهي باتت سائدة الى حد كبير.
حين تعيش خارج الاردن، تقابل ذات الاردنيين، فتجدهم اقل تذمرا، وكشرة، وغضبا، وللمفارقة حين تعود الى الاردن، وتصل الى القاعة التي ستعبرها نحو الطائرة، واغلب الموجودين من الاردنيين، تجدهم قد استدعوا الشخصية المحلية، مجددا، وتوترت اعصابهم، وارتسمت آيات الغضب على وجوههم، وكأنهم يتذكرون شيئا ما، تركوه لأيام او شهور ويعودون اليه لسبب ما.
صناعة الايجابية هنا، ليست قرارا فرديا، فقد اقرر ان اصحو ايجابيا، فتتنزل علي القصص خلال النهار، من فاتورة الكهرباء، الى مخالفة السير، مرورا بأزمات السيارات، وغير ذلك من قصص، فتتوتر اعصابك، وتضيق الحياة في وجهك، هذا على افتراض ان دخلك المالي، كاف.
المصريون فعلوا شيئا ثانيا، صنعوا موجة كبيرة، مدروسة بذكاء، الاف الفيديوهات التي يتم بثها يوميا، عبر وسائل الاعلام، لقصص نجاح مصرية، لأفراد عاديين يبيعون الساندويشات، وامهات يطبخن في البيوت ويبعن الطعام، ولرجال كبار في السن يديرون مشغلا منزليا للنسيج، والذي يحلل هذه الوسائل، يرى الاف الفيديوهات تصنع روحا جديدة، وتقول للمصريين ان بإمكان كل واحد ان ينجح، وان لا يبقى اسيرا للقلق او الخوف، او الشكوك، وهذه طريقة جيدة اعلاميا في اعادة صناعة الوعي الجماعي برغم الظروف، وتصنيع جو جديد يقاوم السلبية واليأس.
انا هنا اعتقد ان خروج الاردن من اجواء السلبية واللطم الجماعي، بحاجة الى اجراءات وخطة، وليس مجرد كلام، وهذه الاجراءات تأتي عبر حزمة اقتصادية لتحريك الاف الشباب، من جهة، ومنحهم الفرص للعمل، اضافة الى تغييرات جوهرية على طبيعة الخطاب السياسي والاعلامي للدولة، عبر بث الايجابية، والتركيز على امكانات البلد، وان بإمكاننا النهوض مجددا، خصوصا، ان هناك دولا وصلت الى مراحل اصعب منا، ثم عادت ونهضت، وباتت نموذجا حيويا في العالم.
نحن في الاعلام مثلا، نواصل النقد فقط، وقد نسود الحياة في أعين الناس، لكن دون قصد، فيما يمكن دون تزييف التركيز على الايجابيات الغائبة، من اجل بث روح جديدة، وبيننا قصص نجاح كثيرة تستحق ان تروى للناس، مثلما ان على المسؤولين هنا، ان يفهموا ان بث الايجابية، لا يعني ابدا تجميل القبيح، ولا محاولة دفنه، بل المقصود ان لا نتحول من حيث لا نحتسب الى ادوات لقتل الحياة، والضغط على العصب العام، وهذا يفرض من جهة ثانية، وجود فريق ومشروع وخطة عمل، بدلا من انتظار كل فرد فينا، الاخر حتى يتحرك، او يكون هو المبادر اولا.
النقطة الاهم تتعلق بطبيعة الحياة في الاردن، فهي بلا شك خشنة، ومهما حاول الاعلام تزيين هذه الحياة، فلن يكون قادرا على بث الايجابية، ما دام المواطن يتعثر بمعاملته، وبطالته، وغير ذلك من قصص، وهذا يعني ان صناعة الايجابية هنا، عمل حكومي بحت، عبر تلطيف الحياة، واطلاق المبادرات، ومراجعة كل الاجراءات، ومنح الشباب فرصة للحياة، من منح كل شاب قطعة ارض للزراعة او السكن، وصولا الى تدبير تمويل متوسط له دون فوائد، لإطلاق مشروعه.
الحكومات التي تستدين بالمليارات، قادرة اذا ارادت تدبر مليار من الدنانير او اقل، من اجل تمويل الاف المشاريع الصغيرة والمتوسطة، وهو كلام سيرفضه الرسميون، لانهم يلطمون اكثر من المواطنين، وهم اصلا اساس بلاء السلبية في هذه البلاد، بسبب عجزهم المهني والشخصي.
تريدون الايجابية، ونحن نريدها ايضا، لكن نريد اولا المشروع والخطة، وهي خطة جمعية للحكومات والافراد، ولا يمكن صناعة الايجابية بأغان وطنية صباحية تهدد وتتوعد، ولا عبر بث الاحلام الزائفة، وانا واثق كل الثقة ان كل القصة مجرد قرار، لو توفر، فكل شيء سوف يتغير.
لماذا لا نبدأ…هذا هو السؤال؟.

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock