آخر الأخبار حياتنا

الإيذاء النفسي بالمدارس..‘‘نشوة الأنا‘‘ تلاحق الأطفال!

تغريد السعايدة

عمان- ربما يكون الإيذاء النفسي أشد وقعا وقسوة على الإنسان من العنف الجسدي؛ إذ يتعمد الكثير من المراهقين السيطرة الكاملة على زملاء لهم، ومضايقتهم، ووصفهم بعبارات جارحة تصل إلى تهديد كل من يختلط معهم أو يدعمهم، رغبة بتحقيق نشوة “الأنا”.

ووفق خبراء، فإن البيئة السلطوية هي المحفز الأول للتنمر النفسي، فحياة الطفل محكومة بظروف نفسية واجتماعية، فإذا كانت إيجابية فهي توفر النمو النفسي والطبيعي له، والعكس صحيح، مبينين أن التنمر النفسي يعزل الطالب اجتماعيا، ما يؤثر على نموه العقلي والاجتماعي، وبالتالي يخرج من المدرسة حاملا صفات الشخصية “العدوانية”.

ولاحظت والدة الطفلة دانا علامات الحيرة والقلق والخوف على ملامح طفلتها، لتستشعر الخطر الذي يحيط بها. ابتعاد دانا (11 عاما) عن صديقاتها المقربات، رغم أنهن في الحي ذاته.

تؤكد والدة دانا أن ابنتها كانت لغاية الصفوف الثلاثة الأولى ذات شخصية اجتماعية وودودة، وتحظى بمحبة زميلاتها ومعلماتها، ولكن تبدل الحال مؤخرا، وأصبح لديها زميلة واحدة في الصف، وهي من أقارب إحدى المعلمات، والتي ظهر بأنها تسيطر على دانا، بل وتتحكم بحديثها وصداقاتها مع الأخريات.

هذا الأمر أثر بشكل سلبي على الابنة، بل تحولت لطالبة تنفذ “طلبات وأوامر زميلتها” بحثاً عن رضاها أولا، ومن ثم رضا المعلمة، كون زميلتها تهددها دائما في حال صدر عنها أي سلوك لا يروق لها.

وما زاد غضب أم دانا بعد ذهابها للمدرسة، أنها علمت بأن ابنتها تخاف من أن تحصل على علامات مرتفعة تتفوق على زميلتها، خوفاً من معاداتها لها، وباتت تبحث عن سبل تنال رضاها، ولو عن طريق محاولة “تسريب الأجوبة لها أثناء خوض الامتحان”، أو أنها تتعمد أن لا تظهر قدراتها التعليمية أمامها!

العلاقة بين المتنمِّر والمتنمَّر عليه مبنية على الاستقواء لدوافع وظروف نفسية تتعلق بطبيعة التنشئة والبيئة والظروف، وفق الخبير في بناء البرامج التدريبية والمستشار التربوي، الدكتور عايش النوايسة، الذي يبين أن البيئة السلطوية هي التي تحفز التنمر النفسي.

ويشير النوايسة إلى دراسة طبية أميركية أظهرت أن الأطفال الذين تعرضوا للقهر ممن هم أقوى منهم، عرضة أكثر من غيرهم للإصابة بالاكتئاب والقلق واضطراب الهلع لسنوات تالية، مؤكدا أن أهم أسباب التنمر هو اضطراب الشخصية، ونقص تقدير الذات، والاكتئاب والأمراض النفسية.

وفي الوقت الذي تسعى والدة يوسف في الصف الخامس لأن تعزز شخصيته في مواجهة مجتمع مدرسي متقلب، وفيه الكثير من الشخصيات المختلفة، تجده أحياناً منساقا تماماً لما يقوله زميله نادر، الذي يتفاخر دائماً بوضعه الاقتصادي المميز عن الطلبة، وعما يجده من “دلال” من قبل عائلته.

وتقول أم يوسف، إنه يعاندها في الكثير من الأمور التي تطلبها منه، ودائماً يكرر قول “نادر حكى ذلك، نادر طلب مني أعمل هذا، أخاف إن عاندته ألا يتحدث معي”، وهذا يظهر تأثر شخصية يوسف تماما بما يمليه عليه زميله، ويخشى مخالفته الرأي أو التعبير عن نفسه بحرية.

وبدورها، ترى أخصائية علم النفس، الدكتورة خولة السعايدة، أنه في مثل هذه الحالات يجب النظر لشخصية المتنمر والواقع عليه التنمر، فالطرف الثاني يشعر بتدني تقديره لذاته، والقلق والخوف ومشاكل قد تظهر على شكل سلوك انسحابي سلبي أو إيذاء الذات أو الآخرين أو ممتلكاتهم.

أما المتعرض للتنمر النفسي فقد يمارس ما اختبره على الآخرين مثل أخيه الأصغر، ويكتسب هذا السلوك ويقلده ويبدأ يمارسه، وعليه تتولد آثار سلبية في شخصيته ويتعلم الوصولية والانتهازية.

وفي المقابل، تؤكد السعايدة وجود آثار نفسية في شخصية المُتنمر؛ إذ يقوم بهذه السلوكيات نتيجة تعرضه للاضطهاد والعنف في البيت أو أنه “مدلل جداً”، و”مُهمل”، ونتيجة هذا الشعور، يتجه لممارسة هذا السلوك الذي يشعره بالنشوة المؤقتة، وهي “نشوة السلطة”.

وتضيف أن تأثير ذلك يعرضه أيضا لمشاكل الاكتئاب والعدوانية، عدا عن أن بعض اضطرابات الرشد لها جذور في الطفولة، بالتالي قد يكون مؤشرا على لجوئه لـ”الإدمان والتدخين والجرائم وغيرها”.

ويؤكد النوايسة أن ظاهرة التنمر النفسي لها آثار كبيرة على شخصية الأطفال، ومن أهمها المشاكل العاطفية والسلوكية على المدى الطويل؛ كالاكتئاب والشعور بالوحدة والانطوائية والقلق.

ويشدد “على الأسرة توفير بيئة سليمة بعيدة عن السلطوية تسمح للأطفال بالنمو السليم في الجوانب النفسية والاجتماعية والانفعالية وبشكل متوازن، بعيدة عن الغلو والتطرف في الحب والكره، وعلى المدرسة توفير بيئة آمنة تسمح للجميع بإطلاق طاقاتهم وقدراتهم من خلال المتابعة والتوجيه المستمر للحد من بروز ظاهرة التنمر النفسي في المدارس”.

مقالات ذات صلة

إغلاق
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock