ترجمات

الاتجاهات الكبرى في الشرق الأوسط، “كورونا”، وما بعده: نظرات من فرنسا

جيل كيبل؛ وتشارلز ثيبوت – (معهد واشنطن لسياسة الشرق الأدنى) 12/6/2020

في 5 حزيران (يونيو)، عقد معهد واشنطن منتدى سياسيا افتراضيا، والذي استشكف فيه دبلوماسي فرنسي وباحث بارز في شؤون الإسلام أزمات منطقة الشرق الأوسط وتأثيراتها على السياسة الغربية، ورصدا ما تغير فيها منذ “الربيع العربي. وفيما يلي ملخص المقرِّر لملاحظاتهما:

  • * *
    جيل كيبل
    كان من شأن ارتفاع أسعار النفط في العالم بعد الحرب العربية الإسرائيلية في العام 1973، أن يمنح الشرق الأوسط -وخاصة الممالك المنتجة للنفط- دورا حيويا في النظام الاقتصادي العالمي. ومع ذلك، تضاءل تأثيره في جميع أنحاء العالم في السنوات الأخيرة مع تراجع الأسعار بشكل ثابت.
    في آذار (مارس)، تدنّت الأسعار إلى مستوى قياسي حين زادت روسيا إنتاجها العالمي من النفط للاستحواذ على حصة أكبر من السوق. وأدّت هذه الزيادة في الإنتاج إلى حرب أسعار مطولة مع المملكة العربية السعودية، والتي عمد خلالها كلا البلدين إلى إغراق السوق بالنفط الرخيص. وكان الملفت في هذا الصدد هو تزامن هذه المواجهة مع انخفاض الطلب الدولي على النفط جرّاء تفشي الوباء الناجم عن فيروس كورونا.
    بسبب هذا الانهيار، لم تعد نماذج الاقتصاد الريعي التي وضعتها الدول المنتجة للنفط قادرة على توفير نفس مستويات التنمية الاقتصادية والاستقرار السياسي في المنطقة. وسوف يؤدي هذا الواقع الجديد أيضا إلى تفاقم التوترات الإقليمية على طول خطوط الصدع بين السُنة والشيعة، حيث ما تزال إيران ملتزمة بإقامة “هلال شيعي” يوسّع نطاق نفوذها من طهران إلى بيروت. ومن المرجح أن تظل التوترات عالية في العالم السُني أيضا، بما أن قطر وتركيا مستمرّتان بالاصطفاف ضد السعودية والإمارات.
    بالإضافة إلى ذلك، من المحتمل أن يؤدي تراجع مركزية النفط في الشرق الأوسط إلى تغيير الطريقة التي تستثمر بها الأنظمة في دول الخليج ثرواتها في المنطقة. فقد اعتادت هذه الأنظمة خلال تاريخها أن تستعين بالسلفية أو الإسلام السياسي على نطاق أوسع لتوسيع نفوذها والحفاظ على الاستقرار في الداخل والخارج. وفي المرحلة القادمة، من المرجح أن ينخفض استخدام الإسلام السياسي كأداةٍ لتحقيق الاستقرار. فالسعودية على سبيل المثال، تجاوزت هذا التكتيك محليا، وبدلا من ذلك تسعى إلى تطبيق رؤية وطنية جديدة تقوم على الانتقال إلى نظام اقتصادي لما بعد النفط، وتنويع هذا الاقتصاد، واستقبال المزيد من النساء في صفوف القوى العاملة. والواقع أن رد الفعل الإيراني على هذا التحول السعودي جديرٌ بالمراقبة عن كثب، لأن النموذج الثوري لطهران يعمل منذ فترة طويلة ردا على طموحات الرياض الدينية.
    وثمة مسألة أكثر غموضا هي مستقبل الشرق الأوسط بعد فيروس كورونا. فبعض الدول، أمثال مصر والمغرب وتونس، أظهرت مرونة اقتصادية على الرغم من خطورة الأوضاع الناجمة عن الوباء والأزمات الأخرى، في حين أن سورية ولبنان ما يزالان ضعيفَين، إلّا أنهما قد يستعيدان حيويتهما إذا قررت أوروبا الاضطلاع بدور أكبر في تعافي المنطقة وفقا لمصلحتها الاستراتيجية في تحقيق الاستقرار.
  • * *
    تشارلز ثيبوت
    ليس خافيا أن “الربيع العربي” الذي بدأ في العام 2011 أطلق مرحلة جديدة في تاريخ الشرق الأوسط. وعلى الرغم من الاختلافات الكبيرة بين العوامل المسببة له في كل بلد، فإن إحدى السمات المشتركة بين المتظاهرين في ذلك الوقت كانت “سياسة الكرامة”، التي تتجلى في الشعور المشترك بالسخط من النظام السياسي. وعلى الرغم من عدم امتلاك المتظاهرين خطة سياسية موحدة، إلا أنهم تقاسموا طموحا مشتركا إلى الحرية والكرامة.
    كانت المسببات نفسها التي أدت إلى الاحتجاجات في العام 2011 حاضرة في العام الماضي، حين عمّت التظاهرات شوارع الجزائر والعراق ولبنان. وكما حدث من قبل، بقيت معظم هذه الحركات الاحتجاجية من دون قيادة -وهي استراتيجية مقصودة تهدف إلى حماية هذه الحركات ومنع الحكومات من استغلالها وتقويضها. ولكن، بسبب هذه العوامل وغيرها، كافحت تلك الحركات مجددا لتقديم حلول بديلة ملموسة للمشاكل التي تحتج عليها. وبمرور الوقت، فقدَ بعضها القدرة على إحداث تغييرات في النظام السياسي، مما أدى إلى ازدياد استيائها.
    هناك عدة عوامل بنيوية ستبقى جوهرية مع اقتراب الذكرى العاشرة لـ”الربيع العربي”. فمعدلات النمو السكاني ما تزال مرتفعة في جميع أنحاء الشرق الأوسط، حيث تتوقع “اليونيسف” وغيرها من المنظمات أن يتضاعف عدد السكان الإجمالي بحلول العام 2050. وما يزال النمو الاقتصادي أضعف كثيرا من أن يتمكن سوق العمل من استيعاب الكثير من العاملين الشباب، مما يترك الخرّيجين الجدد أمام فرص عمل محدودة. كما أن معظم اقتصادات المنطقة غير مستقرة للغاية وتتأثر بالتقلبات المالية العالمية.
    مع استمرار هذه التحديات البنيوية، أدّت الصراعات التي أعقبت انتفاضات العام 2011 إلى تغيير الديناميات الجيوسياسية في المنطقة. وعلى نحو متزايد، أصبحت الديناميات المحلية والإقليمية هي التي تحرّك الأحداث أكثر من سياسات القوى الخارجية. ويعتمد استقرار دول مثل ليبيا وسورية واليمن حاليا على الصراعات الداخلية على السلطة، وهيكليات الدولة، والمنافسات الإقليمية على السلطة إلى حدٍّ أكبر بكثير. ويعني ذلك أن الولايات المتحدة وغيرها من القوى الفاعلة التقليدية الأخرى في الشرق الأوسط لم يعد لها تأثير حاسم على السياسة الداخلية للعديد من دول المنطقة.
    وقد أدّت نية واشنطن للحد من وجودها العسكري في المنطقة إلى تعزيز هذا الاتجاه. ونظرا إلى انتشار التصوّر عن الانسحاب الأميركي، قامت الجهات الفاعلة الإقليمية بملء هذا الفراغ، وتم الضغط على أوروبا لاتخاذ موقف أكثر استقلالية في الشرق الأوسط. لذلك، تُناقش الأوساط المعنية بالسياسة الخارجية في أوروبا فكرة إنشاء قوة عسكرية أوروبية متمكّنة تستطيع جعل السياسات الأوروبية المقترحة في المنطقة أكثر مصداقية وقابلية للتنفيذ. ومن الأمثلة على ذلك البعثة الأوروبية للمراقبة البحرية المقترحة في مضيق هرمز أو البحر الأبيض المتوسط.
    *تشارلز ثيبوت: هو دبلوماسي فرنسي، وزميل زائر مقيم في معهد واشنطن، ومؤلف كتاب “العالم العربي مجزءا”.
    *جيل كيبل: هو رئيس “دراسات الشرق الأوسط والبحر الأبيض المتوسط” في جامعة باريس للعلوم، ومؤلف الكتاب الجديد، “بعيدا عن الفوضى: الشرق الأوسط والتحدي للغرب”.
    *نشر هذا الملخص تحت عنوان: Middle East Mega-Trends, COVID-19, and Beyond: Views from France

مقالات ذات صلة

إغلاق
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock