اقتصادالسلايدر الرئيسيتحليل إقتصادي

الاتصال التسويقي الرقمي المتكامل: نظرة عن كثب على الواقع والآفاق المستقبلية

ريليا يوفيتش *

عمان- على الرغم من حداثة الاتصال التسويقي نوعاً ما، وهو المكون الرابع من مكونات المزيج التسويقي، “الترويج”، الذي يعني الأنشطة والأدوات والوسائل التي تصل المنتج أو العلامة التجارية أو الخدمة بالمستهلك بما في ذلك الإعلان والمجالات المساندة له من تسويق مباشر، وعلاقات عامة، وهوية مؤسسية، إلا أنه مر بمراحل تطور عدة منذ بداياته، أسهمت في صناعة واقعه الحالي.
اقترنت هذه المراحل بتطور التصنيع وبيئة الأعمال وفلسفة التسويق، إلى جانب تطور التكنولوجيا والاتصالات وعولمة الأسواق، ابتداءً من ظهور أدوات جديدة من وسائط إعلانية وإعلامية بفعل نشوء ونمو التقنيات تضاف لتلك التقليدية، وصولاً لظهور مفاهيم ومنهجيات لم تكن معروفة فيما سبق كمفهوم هوية العلامة التجارية وتجربة العملاء ومنهج الاتصال التسويقي المتكامل الذي جاء لتركيز الجهود التسويقية، وتبعه منهج الاتصال التسويقي الرقمي الذي تطور ولا يزال في ظل تغيرات عدة كتطور أشكاله وقنواته، فضلاً عن نمو المحتوى عبر الإنترنت، وزيادة توجه الأفراد والمؤسسات نحو التكنولوجيا في الأردن وخارج حدوده.
وفي ظل وضع التكنولوحيا بصمتها على كل مناحي الحياة والقطاعات والصناعات التي لم تكن صناعة الاتصال التسويقي استثناءً منها، يطرح التساؤل نفسه، هل يقدم الاتصال التسويقي وتحديداً الرقمي المعاصر منه قيمة مضافة حقيقية، وهل يلعب دوراً محورياً في عملية النمو المؤسسي؟
للإجابة، يجب النظر للاتصال التسويقي التقليدي والرقمي في الماضي القريب والحاضر. المتمعن سيجد بأن الاتصال التسويقي بشكليه، قديماً وحاضراً لا يحتمل إلا وجهاً من التشابه الجوهري، يتمثل في تعزيز الوعي حول المؤسسات ومنتجاتها وخدماتها من خلال استهداف إيصال الرسائل المتعلقة بها للجمهور، والتي تحفز على اتخاذ القرار بالحصول عليها، بالارتكاز على عناصر الإبداع والدراية والنظرة المتبصرة التي تتيح إمكانية اكتساب الفهم الاستراتيجي لأضلع عملية الاتصال التسويقي، وبالتالي تخطيط الاتصالات التسويقية وصياغة الاستراتيجيات وأنشطتها على نحو أفضل إثر تحديد سلوك الجمهور وتحليل الفرص المتاحة للتسويق وإن كان يتم في الماضي بآليات متواضعة وبحضور تفاعلات بسيطة مع الجمهور.
لكن وبالرغم من وجود هذا التشابه الجوهري، إلا أن أوجه الاختلاف تتعدد لتشمل جملة من المرتكزات، يتمثل أبرزها في الوظيفة المغايرة التي يقوم بها الاتصال التسويقي الرقمي اليوم؛ إذ كانت فيما مضى مجرد وسيلة جديدة فقط للتسويق، فيما يشكل اليوم أداة فاعلة لاكتساب ميزات تنافسية تضمن استدامة ونمو الأعمال.
التساؤل الأهم هنا، كيف يكون ذلك؟ إن الاتصال التسويقي الرقمي بشكله المعاصر يفتح الأبواب لتخطيط ناضج ومستمر ومدروس بعناية للاتصالات التسويقية، من خلال الاستهداف الأكثر تركيزاً للجمهور الذي يمكن تصنيفه ضمن قطاعات وفئات، وهو ما يسهل الوصول لكل قطاع وفئة، والتوجه إليه برسائل ووسائل مخصصة كماً ونوعاً، من شأنها تعزيز الوعي بالمنتج والخدمة محل التسويق، والتحفيز على اتخاذ قرارات أكثر ذكاء من قبل الجمهور المستهدف وخبراء الاتصال التسويقي أنفسهم، وذلك بفضل التحليلات الاستدلالية والتنبؤية المتقدمة التي يتيحها بما فيها تحليلات احتياجات جمهور المستهلكين وسلوكياتهم وتوجهاتهم، فضلاً عن تحليلات خصائص الأسواق والمجتمعات، والتي ينعكس الوقوف عليها بالإيجاب على تعزيز السمة الإبداعية في التخطيط والاستهداف، مع إمكانية قياس الأثر والتكيف والتحسين في أنشطة الاتصال التسويقي أو في ما يتم تسويقه، ما يسمح بضمان أفضل عائد على الاستثمار.
اليوم، وبالاعتماد على الأدوات القائمة على الذكاء الاصطناعي التي يحتل تبنيها في المملكة نطاقاً أوسع من ذي قبل، فإن التعلم العميق عن الجمهور من هذا الجمهور نفسه أمر حتمي، وذلك عبر إمكانية تتبع أنماط الاستخدام المتنامي للبيئة الرقمية والسلوكيات ضمنها، بما يشمل التعلم حول الاهتمامات والتفضيلات والدوافع والنوايا الشرائية، ودورة التفاعل مع المؤسسات والمنتجات والخدمات المفضلة أو التي يتم البحث عنها، فضلاً عن تحليل البيانات مع تحليلات تنبؤية، وهو ما يسهل التوجه للجمهور المستهدف بما يهمه، وتوجيه الرسالة المناسبة له بالآلية وعبر القنوات والوسائل الملائمة له في الوقت والمكان المناسبين لضمان استجابته بالشكل المطلوب، فيما يسمى بتكنولوجيا واستراتيجية مسارات التسويق التي تَتَتَبّع رحلة المستهلك، وتسمح بإجراء القياسات الكمية والنوعية والسلوكية اللازمة لقياس الكفاءة والإنتاجية لكل مسارات الاتصال التسويقي والتسويق، والتي تضمن التحسين المستمر لجودة العملية.
سابقاً كان الاستهداف يتم بناءً على معايير عدة أهمها الديموغرافية والجغرافية، دون الالتفات لاهتمامات واحتياجات المستهلكين الفعلية، وبتركيز عالٍ على تقديم منتجات ذات جودة، اعتقاداً بأن الجودة وحدها تكفل الإقبال على هذه المنتجات. اليوم، وحسب المعادلة الجديدة للاتصال التسويقي القائم على التكنولوجيا المتطورة، من السهل تعزيز التكامل بين الأدوات والوسائل الرقمية مع تلك التقليدية، وبالتالي خلق فرص استهداف جمة بالاستفادة من قواعد البيانات الضخمة حول مستخدمي الإنترنت، إلى جانب تصميم حملات متعددة المحاور تنطوي على صياغة محتوى جاذب وأكثر ملاءمة أو صناعة إعلان مبتكر على سبيل المثال، مع رسائل موجهة بطابع شخصي لشرائح وفئات محددة من الجمهور المهتم أو الذي يميل للتفاعل والاهتمام.
وفي مثال على ذلك ومن أجل توضيح الأمر ببساطة، لدى العمل على تسويق إحدى العلامات التجارية ضمن قطاع المركبات، فإن النهج المتبع حتى اليوم يبدأ من تحديد الفئات المستهدفة الأساسية والثانوية وتلك الداعمة والمهتمة جميعها بالمركبات، ومن ثم الترويج للعلامة المستهدفة من خلال الوسائط الإعلانية والإعلامية التي تعتمد عليها تلك الفئات.
وكمحصلة لهذا النهج، فإن نتائج عملية الاتصال التسويقي ستكون مرضية إلى حد ما، لكنها لن تكون مميزة كما لو تم اتباع النهج التسويقي المعاصر والمعروف بـ “لحظات الحقيقة”، الذي يصف التفاعلات التي تخوضها الفئات المستهدفة فتؤثر في تجربتهم ومواقفهم، والذي يشابه نهج مسارات التسويق، فيسهل الوصول للمهتمين من الذكور أو الإناث، المواطنين أو الوافدين، بالمركبات، بما فيها مركبات الدفع الرباعي والعائلية والهجينة والتجارية، والتوجه إليهم والتواصل معهم في الوقت المناسب الذي يتم التعرف إليه، وهو الوقت الأكثر احتمالية للاستجابة والتحول نحو علامة المركبة، والذي قد يكون لحظة بحث هؤلاء المهتمين عن مركبة للشراء، أو لحظة قراءة مراجعات حول المركبات، أو لحظة زيارة لصالة عرض مركبات، وهي اللحظة التي يتم التوجه خلالها بالرسائل التسويقية لهم لضمان استكمال دورة ورحلة المشتري المحتمل مع علامة المركبة والفوز بهذه اللحظة.
هذا النهج المغاير للسائد، من شأنه إضفاء المزيد من القيمة، بما لا يقتصر على تحقيق أعلى عائد مقابل كلفة الاستثمار لشبكة العملاء والشركاء، بل وبما يشمل إمكانية قياس التأثير بشكل علمي وعملي؛ بفضل امتلاك أنماط متنوعة من البيانات التي يمكن إنشاؤها وإثراؤها مع كل محتوى تسويقي ينبثق من نظام الإعلان الديناميكي (الإعلانات المبرمجة والذكية) بالاستناد إلى موقع وسلوك واهتمام فئات الجمهور، والتي يمكن الاستفادة منها مراراً وتكراراً لتحديد أساليب وأنماط الحياة التي تسهل الاستهداف، والتي تضمن تصميم حملات اتصال تسويقي رقمي مميزة وذات فعالية عالية في كل مرة مع إمكانية التحسين المستمر.
الباحث في الاتصال التسويقي الرقمي الحديث سيلحظ بأنه ليس مجرد تفاعلات إعلانية وإعلامية على المواقع الإلكترونية والبريد الإلكتروني ومنصات التواصل والمدونات ومنصات التجارة الإلكترونية ومحركات البحث والتطبيقات المختلفة التي تضمن الحضور على الإنترنت، بل أنه منظومة متكاملة من الخطط والاستراتيجيات والأدوات والوسائل وحتى الأجهزة والقنوات المجانية أو المدفوعة، والتي تندمج فيها التكنولوجيا الحديثة بما يثري تجربة العملاء والجمهور.
وهنا يجب الإشارة إلى أن الاتصال التسويقي الرقمي وإن كان قد تطور إلى حد بعيد مشكلاً نقطة مضيئة في عالم التسويق بمفهومه الواسع، خاصة في ظل التوقعات بنمو الإنفاق الإعلاني الرقمي لما نسبته 52 % بحلول نهاية العام مع زيادة التوجه نحوه والذي أسهمت جائحة كورونا بتسريعه، الأمر الذي يأتي بعد تسجيل نمو بما نسبته 17 % على أساس سنوي في السنوات الأخيرة الماضية، وهي النسبة التي تشير التكهنات لتباطؤها وانخفاضها إلى 9 % على أساس سنوي لاحقاً وفي الوقت الذي سيكون فيه الاتصال التسويقي الرقمي قد أصبح من الصناعات الناضجة، إلا أننا لا نستطيع الجزم بأنه بلغ أوج ذروته؛ لارتباطه الوثيق بالتطورات اﻟﺗﻛﻧوﻟوﺟﻳﺔ اﻟﻣﺗﻼﺣﻘﺔ.
وعلى صعيد المملكة التي تعد جزءاً لا يتجزأ من التوجهات والتوقعات والأرقام العالمية، والتي تتسم بنسيجها المجتمعي الشبابي في غالبيته مع معدل عمري متوسط يبلغ 23.8 سنة، وهو المعدل العمري الذي يعد الأكثر استخداماً للتكنولوجيا ووسائلها، فإن التوجه نحو الرقمية التي تجاوزت فكرة طرح المنشورات على وسائل ومنصات التواصل الاجتماعي أو الإعلانات على المواقع الإلكترونية أو الألعاب، وتبلورت إلى أداة قابلة للقياس وقادرة على تقديم أفضل النتائج لكل الأطراف، بات يكتسب أهمية أكبر يوماً بعد يوم ولا يزال، الأمر الذي يشير لأهمية الاتصال التسويقي الرقمي المعاصر.
وأخيراً، فإن كل الحكمة تتجلى في تبني الإمكانات التسويقية الرقمية الهائلة واعتمادها كمحرك للاستراتيجيات التجارية؛ فهي لم تعد ترفاً، بل ضرورة لا غنى عنها للاستعداد للمستقبل، الأمر الذي أصبح حكراً على من يمتلكون إمكانيات قراءته.

*الرئيس التنفيذي لمجموعة ميناكوم للاتصال التسويقي-الأردن
**خبير ومحاضر في معهد الاتصال التسويقي الرقمي في دبلن

انتخابات 2020
28 يوما
#الأردن_ينتخب
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock