ترجمات

الاحتجاجات العراقية تستهدف الفساد الداخلي والنفوذ الإيراني

أزهر الربيعي* – (معهد واشنطن لسياسة الشرق الأدنى) 29/10/2019

عبرت الاحتجاجات الأخيرة عن رفض الشعب العراقي للنفوذ الإيراني في العراق، خاصة بعد قيام الميليشيات المدعومة من إيران بفرض سيطرتها على جميع أنحاء البلاد. وفي هذا الصدد، ردد المتظاهرون هتافات، “إيران بره بره، بغداد حرة حرة”. وإلى جانب الهتافات المعادية لإيران، قام المتظاهرون في مدن عدة بحرق مقرات بعض الأحزاب والمنظمات السياسية التابعة لإيران، كما تم حرق صور لمسؤولين دينيين ورجال دين، بما في ذلك صور للمرشد الإيراني علي خامنئي. وبحسب ما ورد، تم إحراق العديد من مقرات الميليشيات ومكاتب السياسيين في المحافظات الجنوبية في بابل والديوانية وميسان وذي قار وواسط، فضلاً عن حرق مكتب المفوضية العليا للانتخابات في محافظة المثنى.

  • * *
    منذ الأول من تشرين الأول (أكتوبر)، انطلقت تظاهرات كبرى في العاصمة العراقية، بغداد، ومدن أخرى عدة في العراق، مطالبة بالقضاء على الفساد وتحسين الخدمات وتوفير فرص العمل. ولم تكن هذه هي التظاهرات الأولى التي يخرج فيها الشعب ويطالب بحقوقه التي كفلها له الدستور. لكن الجدير بالملاحظة هو أن هذه الاحتجاجات هي الأكثر اتساعاً مقارنة بسابقاتها في ساحة التحرير في العاصمة، أو تلك التي شهدتها مدن أخرى في الجنوب على وجه الخصوص.
    لعل من المفارقات أن هذه التظاهرات اتسمت بأن معظم المشاركين فيها شباب من مناطق فقيرة مهمشة ذات غالبية شيعية؛ حيث اعتبر الكثير من المراقبين ذلك مؤشراً على “استياء القاعدة الشعبية الأوسع التي تعتمد عليها الحكومة في العراق حالياً”. وعلى الرغم من توقف التظاهرات بسبب تزامنها مع موعد الزيارة الأربعينية الخاصة بالمسلمين الشيعة، إلا أنها عادت في الخامس والعشرين من تشرين الأول (أكتوبر)، واستمرت حتى التاسع والعشرين منه. وقد انضم طلبة المدارس والجامعات في محافظات الوسط والجنوب إلى تلك التظاهرات، وسط قمع القوات الأمنية العراقية والميليشيات التابعة لإيران.
    وقد استؤنفت الاحتجاجات المميتة في العاصمة العراقية بغداد ومحافظات عراقية عدة يوم الجمعة؛ حيث استمر المتظاهرون في تحدى الفساد الحكومي المستشري، والنخبة السياسية غير الجديرة بالثقة، وانعدام الحقوق الأساسية وتزايد نفوذ القوى الإقليمية. ومن الجدير بالذكر أيضاً أن جميع هؤلاء المحتجين كانوا مزيجاً من البغداديين والمواطنين من المحافظات الجنوبية.
    خلال الاحتجاجات الأخيرة في بغداد، هتف المتظاهرون ورفعوا شعارات مناهضة للفساد وإيران في ميدان التحرير، كما عبر الكثيرون منهم جسر الجمهورية في محاولة لدخول المنطقة الخضراء، حيث توجد الكثير من المباني الحكومية في العراق. ورداً على هذه الاحتجاجات، لجأت القوات الأمنية إلى استخدام القمع المفرط؛ حيث أطلقت قوات الأمن الغاز المسيل للدموع لإبعاد الآلاف من المحتجين عن هذه المنطقة مشددة الحراسة، وشوهدت القنابل الصوتية في العديد من مقاطع الفيديو التي تنتشر الآن على وسائل التواصل الاجتماعي والتي توثق القوة المفرطة التي تستخدمها قوات مكافحة الشغب ضد المتظاهرين. ومنذ ذلك الحين، قالت لجنة حقوق الإنسان في العراق إن 32 شخصاً قد قتلوا وجرح نحو 3.000 يومي 25 و26 تشرين الأول (أكتوبر) فقط، وظلت الخسائر في تصاعد سريع ومستمر نتيجة القمع الدموي الذي يُمارَس ضد المتظاهرين السلميين.
    من الواضح أن تلك المثابرة من جانب المتظاهرين في مواجهة العنف المتصاعد تشير إلى وجود فجوة متزايدة بين الحكومة والشعب، وهذا الشقاق مدفوع بالإحباط من الحكومة نفسها والقلق بشأن إعطاء الحكومة الأولوية لإيران وتفضيلها على المصالح العراقية.
    منذ سقوط نظام صدام حسين في العام 2003 وحتى الآن، فشلت الحكومات المتعاقبة في الاستجابة للمطالب الأساسية للمواطنين، وتحقيق الرفاهية المتواضعة التي يطالب بها الشعب العراقي الذي يعيش في بلد غني بالثروات والموارد. وعلى الرغم من ثروته الهائلة، يعاني العراق من الفقر وعدم الاستقرار الأمني وضعف البنية التحتية، وتراجع مستوى التعليم والصحة وباقي القطاعات الحيوية الأخرى، الأمر الذي وسع من فجوة انعدام الثقة بين الشعب والسلطة الحاكمة، بعد الوعود التي قدمتها الحكومات على مدى السنوات الماضية. كل ذلك دفع المواطنين للخروج إلى الشارع في تظاهرات شعبية غاضبة، والتي لم تطالب فقط بتحسين الوضع الاقتصادي، وإنما طالبت أيضا بإسقاط النظام.
    هناك بعد آخر في التظاهرات، والذي يتمثل في رفض الشعب العراقي للنفوذ الإيراني في العراق، خاصة بعد قيام المليشيات المدعومة من إيران بفرض سيطرتها على جميع أنحاء البلاد. وفى هذا الصدد، ردد المتظاهرون هتافات، “إيران بره بره، بغداد حرة حرة”. وإلى جانب الهتافات المعادية لإيران، قام المتظاهرون في مدن عدة بحرق مقرات بعض الأحزاب والمنظمات السياسية التابعة لإيران، كما تم حرق صور لمسؤولين دينيين ورجال دين، بما في ذلك صور للمرشد الإيراني علي خامنئي. وبحسب ما ورد، تم إحراق العديد من مقرات الميليشيات ومكاتب السياسيين في المحافظات الجنوبية في بابل والديوانية وميسان وذي قار وواسط، فضلاً عن حرق مكتب المفوضية العليا للانتخابات في محافظة المثنى.
    ورداً على الاحتجاجات، لجأت القوات الأمنية إلى استخدام القمع المفرط، واستخدام القنابل الصوتية والرصاص المطاطي والحي، والغاز المسيل للدموع، والاعتقال ضد المتظاهرين السلميين، والتي تسببت في مقتل 140 وجرح أكثر من 6.000 متظاهر في عموم العراق. كما شنت قوات الأمن العراقية والمليشيات التابعة لها حملة شرسة استهدفت النشطاء والصحفيين؛ حيث تعرضت عدد من وسائل الإعلام العراقية والعربية في بغداد إلى الاقتحام أو الحرق. كما تعرضت مكاتب قنوات “أن. أر. تي. العراقية”، و”قناة العربية”، و”الحدث”، و”تي. آر. تي. التركية”، وقنوات أخرى للاقتحام من قبل قوات الأمن والميليشيات التابعة لها، كما تعرض أحد مراسلي تلفزيون “زد. دي. إف” الألماني للاعتداء، وأصيب مراسل قناة السومرية العراقية، هشام وسيم، أثناء تأديته واجبه في تغطية التظاهرات.
    تحدث إلى كاتب هذا المقال الصحفي حسام الكعبي من محافظة النجف، والذي يعمل في قناة “أن أر تي”؛ حيث تعرض الكعبى للتهديد من قبل جماعات مسلحة بسبب تغطيته المظاهرات في المحافظة، والتي هددته بالقتل هو وعائلته في حالة تغطيته للتظاهرات. ولم تكتف الجماعات بالتهديد اللفظي فقط، وإنما توجه عناصرها إلى المنطقة التي يسكن فيها لجمع معلومات عنه، وهي رسالة تحذيرية له بأنهم يستطيعون الوصول إلى بيته. هذه هي أساليب الميليشيات في تهديد العناصر الفعّالة والبارزة في المجتمع العراقي.
    اليوم، يواجه الكثير من النشطاء في عموم العراق التهديد والقتل من قبل الجماعات المسلحة الخارجة على القانون. ففي محافظة البصرة (جنوب العراق)، اغتيل الناشط المدني حسين عادل وزوجته سارة في منزلهما وسط المحافظة خلال تشرين الأول (أكتوبر)، على خلفية مشاركتهما في التظاهرات. وسبق وأن تعرض الزوجان للتهديد من قبل مسلحين مجهولين بعد تظاهرات العام 2018 وسافرا إلى تركيا هرباً من القتل، حتى عادا هذا العام، ليتم اغتيالهما على أيدي تلك الجماعات المسلحة.
    كما لاحظت القوات الأمنية “التهديد” الذي تمثله وسائل التواصل الاجتماعي وسعت إلى دفع الحكومة لقطع “الإنترنت” وفرض حظر التجول في البلاد. وقد لعبت وسائل التواصل الاجتماعي مثل “فيسبوك” دوراً بارزاً في الدعوة إلى التظاهرات؛ حيث استخدمه المحتجون للتنسيق في ما بينهم وتحديد أماكن التظاهرات وأوقات انطلاقها، وهو ما جعل “فيسبوك” هدفًا لجهود مكافحة الاحتجاج.
    أكد اتخاذ هذه التدابير الوحشية، علاوة على المضايقات الإعلامية، أن السلطة ما تزال تفكر بطريقة بوليسية عندما يتعلق الأمر بقمع الحركة الاحتجاجية وتكميم الأفواه، وهو ما يمكن أن يعزز فرضية أن الحكومة العراقية غير ملتزمة بقيم الديمقراطية ولا تأخذ منها إلا ما يتوافق مع طموحات الأحزاب التابعة لها، من أجل إرضائها، ومنحها متسعاً أكبر لتحقيق المزيد من الهيمنة على السلطة والمزيد من المكاسب على حساب المجتمع.
    هددت التظاهرات في العراق بشكل مباشر وصريح النظام الحاكم الحالي والأحزاب التي تتحكم في العراق، ودفعتهم إلى تقديم بعض التنازلات لتهدئة التظاهرات. وفي هذا الإطار، أطلق رئيس الوزراء العراقي، عادل عبد المهدي، في 5 تشرين الأول (أكتوبر) حزمة من الإصلاحات التي تضمنت توفير سكن لمن لا سكن له، وتوفير فرص العمل ودعم المشاريع الصغيرة. كما دعا الرئيس العراقي، برهم صالح، إلى إجراء تعديل وزاري لتحسين أداء الحكومة بما يحقق طفرة نوعية في عملها. ومن ناحية أخرى، قال رئيس الوزراء العراقي عادل عبد المهدي في خطاب متلفز أن استقالة الحكومة ستدفع البلاد إلى الفوضى، وأضاف: “لن نسمح للجماعات المسلحة بتشكيل أحزاب سياسية”.
    ومع ذلك، لا تضمن الإجراءات القمعية التي مورست ضد المحتجين إنهاء التظاهرات على الإطلاق، في الوقت الذي يعاني فيه العراق من ضائقة مالية كبيرة، والتي ضعت المحتجين في حالة من عدم اليقين وعمقت الأزمة بين السلطة الشعب. وفي الواقع، أخفى التقرير الرسمي الصادر في 22 تشرين الأول (أكتوبر) عن اللجنة الوزارية العليا للتحقيق في أحداث المظاهرات هوية أولئك الذين كانوا وراء قتل المتظاهرين المسالمين وأخطر الانتهاكات التي ارتُكبت في أوائل تشرين الأول (أكتوبر). وقد أثار هذا الغياب المستمر للمساءلة غضب العراقيين، ودفع الكثيرين منهم للنزول إلى الشوارع مرة أخرى يوم الجمعة الماضي.
    وضعت هذه التظاهرات العفوية -لأنها عفوية- الحكومة في حيرة أمام كيفية التعامل معها ومع غضب الجماهير المنتفضة ضد الفساد المستشري. وإذا كانت القيادة العراقية تأمل في إنهاء التظاهرات المستقبلية، فإنها لا تستطيع الاستمرار في الاعتماد على استخدام العنف لمواجهتها. وعوضاً عن ذلك، يجب على رئيس الوزراء، عادل عبد المهدي، اتخاذ إجراء فوري من خلال الشروع في تطبيق إصلاحات جادة وتشكيل حكومة يتمتع أعضاؤها بالنزاهة، والتي تكون خاضعة للمساءلة والمحاسبة أمام الشعب العراقي.

*صحفي مستقل من العراق، تخرّج من جامعة البصرة في العام 2016، ويعمل في مجال الإعلام منذ العام 2014. تركز كتاباته على عدد من المواضيع المتنوعة التي تشمل السياسية والصحية والاجتماعية وعن الحروب وحقوق الإنسان في العراق.

مقالات ذات صلة

إغلاق
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock