أفكار ومواقف

الاحتجاجات العربية الجديدة

لا تكاد الحراكات الشعبية العربية الجديدة تتوقف وباتت تأخذ طابعا من الغضب والفوضى أحيانا أو التنظيم المدهش الذي يبدأ على شكل انفعالات ولكنه سرعان ما يتحول إلى حالة شعبية منظمة في الأغلب تأتي بنتائج لم تكن متوقعة من قبل، بالفعل كان العام 2019 عام الانفعالات والاحتجاجات العربية الجديدة التي طوت صفحة ما سمي ” الربيع العربي ” بكل تداعياته وتناقضاته.
نهاية هذا الأسبوع سهر اللبنانيون على موجة غضب شعبي عارم بعد أن اقرت الحكومة حزمة ضرائب جديدة منها ضرائب على الهواتف والاتصالات، وعلى خلفية انكشاف الأداء الرسمي في مواجهة الحرائق التي شهدتها البلاد الأسبوع الماضي، موجة الغضب تحولت إلى حالة عنف وفوضى وانتقل اشعال الحرائق من أفعال الطبيعة إلى أفعال البشر.
بدأ العام 2019 بحركة الاحتجاج السوداني التي تحولت إلى اعتصام في الخرطوم أمام المقر العام للجيش. وقبل منتصف الشهر الأول من هذا العام عزل الجيش الرئيس السوداني عمر البشير وتم تشكيل مجلس عسكري انتقالي. لكن آلاف المتظاهرين اعتصموا أمام المقر العام للجيش رافضين “الانقلاب”. واصل الحراك الشعبي تقدمه ورفضه إلى أن وصل الامر إلى توافق وطني، في الجزائر تفاقمت حركة الاحتجاجات الشعبية ووصلت إلى استقالة الرئيس الشاذلي بوتفليقة، لكن المتظاهرين استمروا في النزول إلى الشارع بأعداد غفيرة كل يوم جمعة مصممين على التخلص من النظام السياسي بأكمله إلى أن وصلت الأمور إلى تحديد موعد الانتخابات في شهر كانون الأول المقبل. في الأردن استطاع الاحتجاج الشعبي السلمي في العام الماضي إقالة الحكومة واستطاع إضراب المعلمين المنظم والاستجابة الرسمية هذا العام تحقيق مطالب تاريخية للمعلمين.
في المقابل فشلت حركات احتجاجية عربية عدة شهدها هذا العام عن تحقيق مطالبها وابرزها الحركة الاحتجاجية الكبرى التي شهدتها المدن العراقية في مواجهة الفساد والفشل الاقتصادي بعد أن جعلت الديمقراطية المزيفة العراق على قائمة أكثر دول العالم فسادا، وبعدما عجزت الدولة التي ستشهد آخر برميل نفط في العالم عن توفير الكهرباء ليلة واحدة دون انقطاع في معظم المدن العراقية.
أبرز ملامح الاحتجاجات الشعبية العربية الجديدة تبدو في قدرات شعبية تنظيمية فارقة باتت تولد في أكثر من مكان، ثم اصرار غير مسبوق على حسم التغيير وبأي ثمن، الملمح الآخر والأهم التفاوت الهائل في طريقة تعامل الأنظمة والمؤسسات الأمنية في مع الاحتجاجات وحتى حركة المطالب الشعبية، ما يرسم خريطة من التفاوت الكبير على سبيل المثال بين النموذج الأردني الأكثر تسامحا وقدرة على الاستجابة والمرونة وبين نماذج عربية اخرى واجهت الحركات الاحتجاجية بالمزيد من العنف وبالرصاص الحي.
تأتي حركة الاحتجاجات العربية الراهنة ضمن عملية تاريخية سوف تستهلك ثلاثة عقود على اقل تقدير من الحراك التاريخي على طريق تحديث المجتمعات العربية سياسيا واقتصاديا وستدار على عدة محاور الأول : الأزمة الاقتصادية العميقة. إذ تواجه معظم المجتمعات العربية موجات عاصفة ومتتابعة من الفشل الاقتصادي تعمقت بفعل الحروب الاقليمية وحالة عدم الاستقرار والاحتجاجات وتعطيل الإنتاج والإضرار بسمعة الأسواق، فيما عجزت الأنظمة الجديدة والقديمة عن استعادة الثقة، والسير في إجراءات جادة لترميم اقتصاداتها. الثاني : الفشل في استكمال مسار بناء الدولة في معظم الدول العربية من خلال بناء المؤسسات وتدشين المواطنة، وشهدنا خلال سنوات هذا العقد كيف ان دول الانتقال أو الديمقراطيات الناشئة استهلكت جل وقتها في الصراع السياسي الداخلي مع استمرار الفراغ المؤسسي والتنظيمي، فما تزال التحولات الديمقراطية معلقة في الهواء الثالث : الموقف الاجتماعي والثقافي. فما يزال الخوف من ردة اجتماعية وثقافية، بفعل تأثير قوى سياسية دينية صاعدة، يزداد تفاعلاً، وينتقل من النخب إلى القواعد الاجتماعية. ويُحتمل أن تزداد قوة المساءلة الشعبية على هذا المحور مع ازدياد حدة الاستقطاب، وانتقاله من الشأن السياسي إلى الثقافة والمجتمع.

مقالات ذات صلة

شاهد أيضاً

إغلاق
إغلاق
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock