آخر الأخبار حياتناحياتنا

“الاحتراق الوظيفي”.. هل ضاعفت “كورونا” من “الإنهاك” النفسي للعاملين؟

منى أبوحمور

عمان – يبدو أن الثواني القليلة للكلمة التي ألقاها الرئيس التنفيذي لشركة جوجل “براين دايسون”، ووصف بها العمل بـ”الكرة المطاطية”، كلما وقعت قفزت مرة أخرى؛ لامست قلوب الكثيرين الذين تفاعلوا مع هذه الكلمات؛ إذ أضاف أن العمل، العائلة، الصحة، الأصدقاء، الروح، تشبه كرات مصنوعة من الزجاج، إذا سقطت إحداها فلن تعود إلى سابق عهدها.


وكشف خطاب دايسون الستار عن كثير من تفاصيل الحياة التي غيبها انشغال الكثيرين في العمل، بدا ذلك واضحا من خلال التعليقات التي عبرت عن انشغال كلي في الوظائف، يقابله إنفصال عن العلاقات الاجتماعية وحياتهم بكل تفاصيلها.


لعل أكثر ما أثر في الأربعيني حاتم مسلم هو نصيحة دايسون بضرورة “إدارة العمل بكفاءة خلال ساعات العمل وإعطاء الوقت اللازم للعائلة، والأصدقاء، وأخذ قسط مناسب من الراحة، والاهتمام بالصحة”.


ويلفت مسلم إلى أن “التركيز في العمل وحده أثقل كاهل أرواحنا واستنزف طاقاتنا”، لافتا إلى أنه في كل مرة يقدم العمل على حياته الخاصة وصحته حتى وجد نفسه مرهقا نفسيا.

في الوقت الذي بدأت الثلاثينية ميساء التميمي تعيد تفاصيل يومها أمام عينها بعد قراءتها لهذه الكلمات، لتجد نفسها قد سلمت يومها للعمل وأداء الواجبات دون أن تلتفت إلى حياتها الخاصة وصحتها وعلاقاتها الاجتماعية التي بدأت تفقدها واحدة تلو الأخرى لتصطدم بهذه الكلمات.


تقول “عندما تراجع نفسك وتشعر بأنك فقدت الكثير من تفاصيل حياتك دون أن تشعر”، فكل شيء تقوم به على عجل، للحاق بالعمل وتفاصيله المرهقة.

وتأسف رهام على نمط الحياة الذي وصل إليه معظم العاملين، ملقين وراء ظهورهم حياتهم الخاصة وحقهم في الراحة والسعادة، وحتى الانفصال عن العمل ولو لبضعة ساعات.


“ربما نعتقد أننا كلما استنزفنا أنفسنا في العمل وصلنا لبر الأمان”، هكذا عبر محمد معايطة عن رأيه بذلك الوصف الذي قاله دايسون عن العمل، معتقدا أن تحقيق الوصول إلى الحياة الفضلى والصحة المثالية والتعليم يكون باستنزاف كل الوقت للعمل.

لم تكن جائحة كورونا خفيفة الظل على الكثير من العاملين الذين أصبح همهم الوحيد هو التمسك بعملهم وبذل مجهود مضاعف للمحافظة على دخلهم الشهري في ظل الالتزامات المادية الكبيرة التي ترتبت عليهم بسبب الحظر والإغلاقات التي فرضتها جائحة كورونا.


وإلى جانب عمله ثماني ساعات يوميا، لجأ الأربعيني سائد أحمد للعمل في وظيفة ثانية لمدة ثماني ساعات أخرى في وردية مسائية، ليتمكن من تعويض الالتزامات المادية الكبيرة التي خلفتها جائحة كورونا بعد أن أغلقت مؤسسته أبوابها مدة سنة كاملة.


الضغط النفسي الكبير الذي يشعر به أحمد والعشرات من أرباب الأسر، حملهم فوق طاقتهم واستنزف جهدهم ووقتهم وحتى رغبتهم بأخذ قسط من الراحة أو حتى التفكير في الاستجمام.


يقول “في كثير من الأحيان أجد نفسي منهكا في العمل لساعات طويلة”، لافتا إلى أن جائحة كورونا لم تترك وقتا لأحد.


“حتى استراحة المحارب لم تسمح بها كورونا”، يقول الثلاثيني تيسير الذي يخشى فقدان وظيفته في أي لحظة بسبب تداعيات كورونا، لافتا إلى غياب الامان الوظيفي جعل الجميع في حالة من استنفار، كل ذلك على حساب الراحة والعلاقات الاجتماعية.


ويشير اختصاصي علم النفس الدكتور موسى مطارنة إلى أن الإنسان إذا شعر بخطورة في مقومات حياته الأساسية ومنها الجانب الاقتصادي، فذلك يسبب له حالة من الضغط والقلق وغياب الاستقرار النفسي.

جائحة كورونا بحسب مطارنة، ولدت لدى الكثير من الناس مشاعر الخوف على الرزق بسبب الحالة الاقتصادية الصعبة، وما أفرزتها بسبب إغلاق الكثير من المؤسسات وخسارة الكثير لوظائفهم.


ويبين أن فقدان العمل أو تخفيض الراتب أو حتى الخوف من فقدان العمل، كله يسبب للإنسان حالة من التوتر وغياب القدرة على القيام بالمتطلبات الحياتية الرئيسة، وبالتالي استشعار الخطر الذي يهدد حياته ومصدر رزقه.

هذا الخوف ينعكس بحسب مطارنة على جميع الجوانب الحياتية سواء العائلية أو المجتمعية والنفسية والسلوكية، فتصبح لديه حرب نفسية مع غياب التوازن والاستقرار، وكلها لها نتاجات سلبية على الاسرة والمرأة والأطفال وعلى الشخص نفسه وطريقة حياته، خاصة أنه يبدأ بمحاولة التكيف مع المتطلبات الجديدة.


ويبين مطارنة أنه ومع الظروف التي يمر بها الشخص يجد نفسه أمام متطلبات كثيرة وصعوبات حياة، لاسيما وأن شريحة كبيرة من الناس تضررت من الجائحة، وفقدت مصدر دخلها واستقرارها النفسي أيضا.

ووفق مطارنة، لا بد من التوقف والتفكير بوسائل وطرق جديدة لتوفير الدخل وتعويض الخسارات في محاولة لسد الفجوات المادية التي خلفتها كورونا.


وعلى كل شخص التفكير بأمل وتفاؤل خارج الدائرة، والاستعانة بأفكار جديدة لتحقيق الدخل وزيادته بأفكار مختلفة ومتنوعة، والابتعاد عن اليأس والإحباط لمواجهة مصاعب الحياة.


وأدرجت منظمة الصحة العالمية “الإجهاد النفسي الوظيفي” أو “الاحتراق النفسي المهني”، ضمن قائمة التصنيف الإحصائي الدولي للأمراض، حيث سيتم الاعتراف بهذه المتلازمة عالمياً في العام 2022.


وأشارت منظمة الصحة العالمية الى ان جائحة كورونا ضاعفت معدل القلق والاكتئاب وحالات الانتحار، كما أثر نقل بعض المنظمات العمل بطريقة افتراضية على ذلك، بعضهم اضطر لاستخدام التكنولوجيا، حيث قلل الاتصال الافتراضي من التواصل الحضوري مع الآخرين.

وساهم غياب التواصل الحضوري بحسب منظمة الصحة العالمية في شعور البعض بالعزلة التي تثير القلق لدى البعض.


كذلك صعوبة متابعة العمل عن بُعد، وعدم وجود مكان مهيّأ للعمل من المنزل، وقد يُفهم التواصل الافتراضي بشكل سيّئ مع الآخرين، إضافة للمشاكل التقنية التي قد تطرأ، وقد يتبع العمل عن بُعد، اجتماعات متلاحقة تصل لأوقات يرغب من خلالها الموظف قضاء وقت خاص مع أسرته، ما يرهقه جسدياً ونفسياً.

الوسوم
زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock