تمويل اسلامي

الاحتفال بمئوية البنوك في البحرين

عدنان أحمد يوسف*

بمناسبة الاحتفال بذكرى مرور مائة عام على تأسيس البنوك في مملكة البحرين، من المفيد أن نسلط الضوء على الدور الضارب في التاريخ الذي لعبته البحرين في حركة التجارة الدولية والتمويل التجاري منذ آلاف السنين.
وفي الحقيقة، كنت أطالع كتاب “Money changes everything: how finance made civilization possible” للمؤلف وليام جوتزمن ولفت انتباهي تأكيده أن دلمون، وهو الاسم الذي كان يطلق على البحرين في الألفية الثالثة أو الرابعة قبل الميلاد، لعبت دورا رائدا في تجارة النحاس في حضارة وادي النهرين، وهذا ما تؤكده الوثائق التاريخية عن تأريخ البحرين التي كان تربطها علاقات تجارية قوية مع حضارات بلاد الرافدين حتى أن تجار أور أقاموا أسطولا لنقل البضائع من وإلى البحرين والعراق قرابة العام 2000 ق.م.
كما كانت دلمون محطة مهمة للتجارة بين الهند وإفريقيا وسواحل الخليج والعراق، تستورد الأخشاب من الهند ومن أفريقيا كما تستورد الحاصلات الأخرى وتنقل النحاس من سلطنة عمان، فتبيع ذلك إلى جنوب العراق.
في القرن الأول، كان يطلق على البحرين من قبل الإغريق اسم “تايلوس”، مركز تجارة اللؤلؤ، عندما اكتشفها نيرخوس قائد الحملة المرسلة من قبل الإسكندر المقدوني لاستكشاف المنطقة. كان يطلق عليها سابقاً اسم “آرادوس” والمحرق حالياً، وتوجد الآن منطقة تسمى “عراد” في المحرق. لذلك كان استخراج اللؤلؤ من مصائد المحار في الخليج العربي نشاطا رئيسيا في حضارة البحرين لآلاف السنين. وباعتبارها مصدر اللؤلؤ الأكثر شهرة منذ العصور القديمة، وصلت هذه الصناعة إلى ذروة ازدهارها في نهاية القرن التاسع عشر وبداية القرن العشرين. وقد انعكست الثروة التي جُنيت من تلك الصناعة التي أصبحت تجارة عالمية في تطور الأحياء التجارية لمدينة المحرق. وما يزال هناك عدد من المباني التجارية والسكنية المميزة التي تشهد على ذاك النشاط الاقتصادي بكل أفخاره وأخطاره والذي انتكس بعد ذلك في الثلاثينيات نتيجة اختراع عملية استزراع اللؤلؤ في اليابان من محار المياه العذبة.
كما اشتهرت دلمون بالزراعة نتيجة أرضها الخصبة ومحاصيلها الكثيرة والوافرة ومياهها العذبة. واشتهرت آنذاك بزراعة وإنتاج التمر. وفي مجال الصناعة والتجارة في حضارة دلمون، تميزت بأنّ لها مركزاً تجارياً مهماً بين الحضارات الأخرى، فقد كانت تملك ميناءً تمر خلاله البضائع التجارية. كما تميّزت بصناعات متنوّعة منها صناعة الفخار وبرسومات وأشكال متنوّعة والأختام الدلمونية، والتي استخدمت لإثبات الملكية، والتواقيع على الاتفاقيات، وصناعة التماثيل والأواني الخزفية المصنوعة من النحاس. أما من حيث التجارة فقد اشتهرت بتجارة الخرز الملون والذهب والفضة، والنحاس؛ حيث كان النحاس السلعة الرئيسية في تجارتهم. علاوة على الأحجار الثمينة، واللؤلؤ والعاج والأخشاب والبخور والمنتجات الصوفية والزيوت النباتية.
وقبل سنوات عدة، نظم متحف البحرين الوطني وهيئة الثقافة والآثار معرض “البحرين القديمة: نفوذ التجارة” الذي أظهر بصورة رائعة ومشرقة جانب من حضارة دلمون في الجوانب التجارية. ومثلت تشكيلة القطع المنتقاة التي تم عرضها في المعرض من مجموعة المقتنيات الدائمة لمتحف البحرين الوطني التي يحتويها هذا المعرض شاهدا على أهمية حضارة دلمون القديمة ومكانتها كسوقٍ نابضٍ وحيوي يقع على طرق التجارة البحرية القديمة التي كانت تربط الشرق الأدنى بشبه القارة الهندية.
وضمت المعروضات ما يقارب 150 قطعة أثرية متنوعة، مثل الأختام المصنوعة من الحجر الصابوني، والقطع الفخارية والزجاجية والعاجية والأواني المرمرية المعمولة بدقة عالية، بالإضافة إلى القطع الذهبية والشواهد الجيرية المتميزة؛ حيث تدل هذه القطع الأثرية على حركة التجارة النشطة للمنطقة في الفترة ما بين الألفية الثانية قبل الميلاد إلى القرن الثالث بعد الميلاد، كما ترسم ملامح قرونٍ طويلة من روح المبادرة ومدى ازدهار وغنى التجارة البحرية على جزر البحرين، موطن حضارة دلمون ومركزها السياسي والتي بفضل مزاياها الطبيعية وموقعها الاستراتيجي على ملتقى الطرق التجارية القديمة لعبت دورا محوريا في التجارة الدولية وكوّنت من ورائها ثروة ضخمة، وقد تكرر ذكرها في النصوص الإدارية الرسمية وكذلك الاقتصادية التي خلفتها حضارات ما بين النهرين القديمة التي تخص حركة استيراد المواد الخام، لا سيما النحاس، كما ذكرنا. ونظرا لانعدام وجود المناجم على أرض دلمون، فمن المرجح أن تلك النصوص دليل على وجود حركة تجارية استمرت في الازدهار والتوسع في العصور اللاحقة.
فالبحرين، إذن، منذ أقدم العصور اشتهرت بدورها الريادي في حركة التجارة العالمية، وهذه الحركة كانت أحد الأسس التي استلزمت تدريجيا ولادة الكثير من الأنشطة الداعمة لها مثل صناعة السفن وتطور الجهاز الإداري والتشريعات والأختام وتنظيم الملكية، وأخيرا بروز البنوك والمؤسسات المالية بمفهومها الحديث منذ مائة عام.

*رئيس اتحاد المصارف العربية سابقا ورئيس جمعية مصارف البحرين

مقالات ذات صلة

السوق مغلق المؤشر 1815.12 0.22%

إغلاق
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock