أفكار ومواقف

الاستباقية في الدبلوماسية الأردنية

خالد دلال

“نحن والفلسطينيون الأقرب”، التي قالها جلالة الملك عبدالله الثاني، خلال مباحثاته مع الرئيس الفلسطيني، محمود عباس، في مقر الرئاسة الفلسطينية في مدينة رام الله، الأسبوع الماضي، تحمل من الأهمية، من حيث التوقيت والمكان والدلالة، الكثير، لتؤكد أن الأردن، قيادة وشعبا، كان وما يزال الأول بين الدول والشعوب في المنطقة والعالم، وعبر التاريخ، دفاعا عن حقوق الشعب الفلسطيني.

نعم نحن الأقرب، والذي يتتبع الجهود الملكية خلال الأيام الماضية يرى بوضوح حجم هذه الجهود وشجاعتها، وفي مختلف المسارات، مساندة، قولا وفعلا، للقضية المركزية في الشرق الأوسط، ولب الصراع، وهي القضية الفلسطينية.

ومن هنا جاء تأكيد جلالته، خلال المباحثات، “أن المنطقة لا يمكنها أن تنعم بالأمن والاستقرار دون حل عادل وشامل على أساس حل الدولتين”، وهو المنطق الذي شكل على الدوام عقيدة الدبلوماسية الأردنية في التعامل مع الصراع الفلسطيني-الإسرائيلي.

وما يميز الجهود الأردنية، مؤخرا، أنها جاءت، وقبيل شهر رمضان الفضيل، استشعارا بأهمية الاستباقية في العمل الدبلوماسي منعا لأي تصعيد إسرائيلي محتمل خلال الأيام والأسابيع المقبلة، ليتجلى ذلك في تشديد جلالته “على ضرورة وقف كل الإجراءات الإسرائيلية الأحادية، خصوصا في القدس والحرم القدسي الشريف”.

وفي حين شكلت مباحثات جلالة الملك والرئيس عباس الأساس للتنسيق الأردني-الفلسطيني خلال الأيام المقبلة، جاء لقاء جلالته مع الرئيس الإسرائيلي، إسحاق هرتسوغ، بعد ذلك بأيام، ليؤكد استمرارية الجهود الأردنية ضمانا لواقع لا يشهد تصعيدا إسرائيليا في المستقبل المنظور، وقد كان ذلك واضحا في تأكيد جلالته: “ضرورة تفادي أي إجراءات قد تعيق إمكانية وصول المصلين إلى المسجد الأقصى المبارك/الحرم القدسي الشريف”.

وهذا الأمر هو ذاته ما كان مرتكزا للحديث أيضا خلال لقاء جلالته مع وزير الدفاع الإسرائيلي، بيني غانتس، وتأكيده “أن الحفاظ على التهدئة الشاملة يتطلب احترام حق المسلمين بتأدية شعائرهم الدينية في المسجد الأقصى المبارك/الحرم القدسي الشريف”.

كل ما تقدم، إضافة إلى لقاء جلالة الملك قبل كل هذا الزخم مع وزير الخارجية الإسرائيلي، يائير لبيد، وتأكيده “ضرورة تكثيف مساعي تحقيق السلام العادل والشامل على أساس حل الدولتين،” هو بمثابة قرع الجرس لإسرائيل على أن الأردن، ومن منطلق وصايته على المقدسات الإسلامية والمسيحية في مدينة القدس، يقف بالمرصاد ضد أي محاولات للتصعيد الإسرائيلي، خصوصا عند الحديث عن حق الشعب الفلسطيني بممارسة شعائره الدينية خلال شهر رمضان.

إلا أن الهدف الأبعد من الحراك الدبلوماسي للمملكة، كما يرى مراقبون، هو أن الأردن يسعى إلى إعادة الزخم للقضية الفلسطينية دوليا، والبدء في كل ذلك من خلال التنسيق مع الجانب الفلسطيني، والإيضاح المباشر لقادة إسرائيل بأن الخطوة الأولى للسلام هي في وقف الإجراءات الأحادية التي قد تقوم بها تل أبيب بهدف خلق حقائق جديدة على الأرض، سواء كانت تصعيدية تمس المقدسات من اقتحامات أو اعتقالات، أو استيطانية أو بأشكال أخرى.

وهذا ما يمكن قراءته في تأكيد جلالة الملك، خلال لقائه الرئيس عباس “أهمية أن تحظى القضية الفلسطينية بالزخم المطلوب دوليا، وألا تقلل أي أزمات مستجدة من حضورها على الساحة العالمية”، وهو الأمر المهم للغاية حتى لا تتخذ إسرائيل من انشغال العالم بالحرب الروسية-الأوكرانية غطاء لتنفيذ أجنداتها، خصوصا الاستيطانية منها والعالم في غفلة.

على جميع الأطراف المعنية بالصراع الفلسطيني-الإسرائيلي، عربيا أو دوليا، إدراك أن بوابة إحياء وتحقيق السلام في المنطقة هي الأردن، بقيادته التي عملت تاريخيا وما تزال على حماية حقوق الشعب الفلسطيني، ولعل في الوقوف الأردني الصلب في وجه صفقة القرن المجحفة حتى أضحت نسيا منسيا، عبرة للجميع، والأهم تذكيرا لمن يزاود على مواقف وطننا، وهو خير نصير لفلسطين وشعبها.

المقال السابق للكاتب 

إنهم يصنعون المستقبل

للمزيد من مقالات الكاتب انقر هنا

زر الذهاب إلى الأعلى

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock