اقتصادتحليل إقتصادي

الاستثمار المؤثر وتحدي الجائحة

تولولا أوني؛ جيليان مارسيل؛ تاو تافينجوا*

كمبريدج – من الواضح أن جائحة مرض فيروس كورونا 2019 (كوفيد- 19 COVID-19) ستخلف آثارا خطيرة وبعيدة المدى في المستقبل، وخاصة إذا تسببت في تخريب التحسينات الأخيرة التي طرأت على الأنظمة الصحية الضعيفة تاريخيا في العديد من البلدان. لتجنب هذه النتيجة، نحتاج بشكل عاجل إلى تجاوز الهدف الذي يتلخص في مجرد “حماية المحتاجين” في أوقات الأزمات. والتبرعات العَـرَضية ليست كافية. فالآن حان الوقت المناسب للبدء في إزالة الحواجز البنيوية والتنظيمية التي حالت لفترة طويلة دون تحقيق تحسينات مستدامة في الصحة العالمية.
في أعقاب حالات الطوارئ العالمية، يميل المجتمع الدولي إلى الارتداد إلى “العمل كالمعتاد”، بدلا من الاستعداد لكوارث المستقبل. ومع تركيز صناع السياسات على مكافحة الحرائق وحسب، بدلا من معالجة أسبابها الأساسية، يبدو الأمر وكأن الوقت المناسب لتدابير الوقاية والتخفيف لا يحين أبدا.
ومع ذلك، أظهرت الجائحة أن استجابة الصحة العامة التي تتسم بالكفاءة والفعالية تتطلب أكثر من مجرد نظام رعاية صحية يعمل بشكل جيد. فهي تدعو أيضا إلى “أنظمة صحية” أكثر قوة، والتي تضم كل القطاعات التي تؤثر على الصحة العامة، بما في ذلك التصنيع، والأغذية، والنقل، والتنمية الحضرية. وفي حين أن أغلب العاملين في هذه القطاعات لا يمكن اعتبارهم بسهولة “مهنيين صحيين”، فإنهم يلعبون رغم هذا دورا محوريا في تحقيق نتائج صحية طيبة.
لقد تسبب نقص التمويل الجسيم لأنظمة الرعاية الصحية في البلدان المتقدمة والنامية على حد سواء في خلق أوجه قصور حرجة تكشف عنها الجائحة النقاب الآن. الواقع أن الافتقار إلى التأمين الصحي بين الملايين من الأميركيين الأكثر ضعفا فَـرَض تهديدا للصحة العامة قبل فترة طويلة من اندلاع أزمة كوفيد- 19. على نحو مماثل، ضـمن نقص الاستثمار في أنظمة الرعاية الصحية في مختلف بلدان جنوب الصحراء الكبرى في أفريقيا، وفي جنوب آسيا، ومناطق أخرى من العالم، تَـعَـرُض الملايين من الناس للخطر في حال اندلعت أزمة. وقد أبرزت الجائحة الحالية ضرورة مسارعة كل المجتمعات إلى توفير القدرة للجميع على الوصول إلى الرعاية الصحية العالية الجودة دون أن يخاطر المرضى بالتعرض للخراب المالي. وهي تُـثبِت أننا لم نعد نملك ترف التغافل عن الحواجز الطبقية التي ظلت قائمة لفترة طويلة والتي تسمح للأثرياء فقط بالحصول على أفضل رعاية صحية عند الطلب.
تزودنا الجائحة أيضا بالفرصة لإعادة النظر في الكيفية التي نلاحق بها الإبداع والإصلاح في ظل أنظمة فاشلة. وهذا يستلزم أن يعمل النظام الاقتصادي العالمي على توسيع التعريفات الضيقة للإبداع والابتكار بحيث تحتضن المعرفة (غير المرئية غالبا) المتولدة من مختلف أنحاء الجنوب العالمي، فتتعلم من تنفيذ الإستراتيجيات التي جرى تنفيذها في سنغافورة، وكوريا الجنوبية، والصين، وإسرائيل، وجنوب أفريقيا، لاحتواء الفيروس وتعبئة إستراتيجيات الاختبار وتتبع المخالطين على نطاق السكان بالكامل. ومن خلال دمج الخبرات من الدول التي تعاملت مع فاشيات مميتة سابقة، مثل إيبولا، وسارس (مرض الالتهاب الرئوي الحاد)، ومتلازمة الشرق الأوسط التنفسية، وحمى لاسا، يصبح بوسعنا تطوير إستراتيجيات أكثر إبداعا على مستوى العالم. الواقع أن مثل هذه الإستراتيجيات، لو كانت قائمة قبل انتشار كوفيد-19 على مستوى العالم، فإنها كانت لتساعد في تنظيم استجابة عالمية فعّالة للجائحة، وهي الاستجابة التي يبدو التوصل إليها الآن أمرا بعيد المنال. مع امتداد الجائحة لتشمل بلدان حيث تشكل الممارسات التقليدية صميم فكرة العافية، أصبح من الضروري للغاية دمج أنظمة المعرفة المتنوعة هذه في إستراتيجيات التثقيف الصحي للوقاية من الأمراض وعلاجها.
علاوة على ذلك، نظرا للتراجع الشديد في النشاط التجاري والاقتصادي، هناك سبب وجيه يجعلنا نتوقع أن العديد من وظائف البيع بالتجزئة قد تفقد بشكل دائم، وأن عدد الوظائف في مجال التسليم سوف يزداد. وسوف تتسبب الارتباكات الاقتصادية الواسعة التي تحدث الآن بالفعل في دفع عشرات الملايين من الناس إلى حالة من اليأس الشديد، مما يزيد من تعقيد الجهود الرامية إلى السيطرة على انتشار الفيروس.
هنا، تسنح فرصة فريدة لمجتمع الاستثمار المؤثر ويتجلى الدور الحاسم الذي يستطيع أن يضطلع به. إن الاستثمار الأخلاقي المفيد اجتماعيا يمكن رفعه إلى فئة مختارة من الأصول، ومن الممكن أن يقود المستثمرون المؤثرون الطريق في توسيع نطاق البحث عن المبدعين، وتسوية جغرافية المعرفة، وبالتالي تسهيل استجابة أكثر فاعلية للأزمة الحالية.
من غير المرجح أن ينشر المستثمرون التقليديون التمويل في المناطق الأشد احتياجا إليه، لأن تركيزهم الأساسي ينصب على زيادة العوائد المعدلة تبعا للمخاطر. لكن الاستثمار المؤثر قادر على ذلك، من خلال حشد الأموال اللازمة لجلب المزيد من المبدعين المتنوعين إلى قطاع الصحة والقطاعات المرتبطة بالصحة.
في عموم الأمر، ينبغي للجائحة أن تعمل على تحفيز أولئك من خارج مجتمع الاستثمار المؤثر وحملهم على إعادة النظر في كيفية تعبئة رأس المال المالي ونشره. إنه لمن مصلحة الجميع أن نعمل على تشجيع التقدم نحو تمكين الجميع من الوصول إلى الرعاية الصحية العالية الجودة على مستوى العالم، لأن الصحة في نهاية المطاف تدعم كل جانب من جوانب المجتمع، بما في ذلك الاقتصاد.
بالإضافة إلى معالجة الطوارئ الصحية الحالية، يستلزم التغلب على جائحة كوفيد-19 أيضا أن نركز على الحلول الطويلة الأمد. ولا ينبغي لنا أبدا أن نعود إلى العمل كالمعتاد. نحن في احتياج إلى البدء ببناء أنظمة قوية وشاملة تمثل جميع المحددات الاجتماعية المرتبطة بالأمراض المعدية والمزمنة، والتي ستستمر في ابتلاء أكثر المجتمعات فقرا وتهميشا في مختلف أنحاء العالم.
بدلا من الشعور بالارتياح لفكرة أنها “تحمي أفريقيا” أو “تحمي الفقراء”، يتعين على مؤسسات تمويل التنمية، والمستثمرين المؤثرين، وهيئات التمويل الثنائية، أن تركز على رفع سقف طموحاتها. فالهدف ليس أن تُـظـهِر أنك فاعل خير حسن النية، بل يتمثل الهدف بالأحرى في إحداث تغيير حقيقي من خلال بناء أنظمة للصحة.
لعل الصحة العالمية تشكل نقطة انطلاق جيدة. فبينما ندفن موتانا ونرثيهم، ينبغي لنا أن نكرس الموارد، وليس الكلمات فقط، لضمان عدم استمرار ذات الأخطاء وأوجه القصور في مطاردتنا نحن وأجيال المستقبل.

*تولولا أوني كبيرة الباحثين المشاركين في مجال الأبحاث السريرية في الصحة العامة وعلم الأوبئة في جامعة كمبريدج. جيليان مارسيل عضو إداري في Resilience Capital Ventures LLC، وهي منتسبة إلى معهد ماساتشوستس للتكنولوجيا. تاو تافينجوا زميل زائر في مركز LSE Cities البحثي التابع لكلية لندن للاقتصاد، وزميل باحث في معهد ماكس بلانك.
*خاص بـ_ بالتعاون مع بروجيكت سنديكيت.

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock