أفكار ومواقف

الاستقرار المالي أساس للاستقرار الاقتصادي

كانت تجربة الأردن في التعامل مع الأزمة المالية العالمية وتداعياتها خير دليل على قوة ومنعة القطاع المصرفي الأردني وسلامة الأسس التي يقوم عليها، وهو ما أثمر في قطاعٍ مصرفي سليمٍ ومعافى، استطاع الصمود في وجه أعتى الأزمات المالية في التاريخ المعاصر. فوفقاً لاختبارات الأوضاع الضاغطة التي يجريها البنك المركزي بانتظام لقياس قدرة البنوك على تحمل الصدمات، تبين أن الجهاز المصرفي الأردني قادر على تحمل الصدمات والمخاطر المرتفعة، وهذا ما تشير إليه وتعززه مؤشرات السلامة والمتانة المالية للقطاع المصرفي في الأردن. كما تشير البيانات إلى ارتفاع جودة ونوعية أصول الجهاز المصرفي في الأردن، والى تحقيقه مستويات سيولة مرتفعة وآمنة ومستويات ربحية جيدة جعل منه قطاعاً جاذباً للاستثمار وداعماً أساسياً للاستقرار المالي في المملكة. حيث أن وجود جهاز مصرفي قوي ومتين هو مكون أساسي لتحقيق الاستقرار المالي، والذي يعتبر متطلباً أساسياً للاستقرار الاقتصادي الكلي.
مفهوم الاستقرار المالي يشير إلى الحالة التي يكون فيها القطاع المالي قادراً على التحوط ضد الأزمات الداخلية والخارجية، والاستمرار، في حالة وقوع الأزمات، في أداء وظيفته المتمثلة في توجيه الموارد المالية إلى الفرص الاستثمارية بكفاءة، وكذلك الاستمرار في أداء المدفوعات بكفاءة. وبنفس الوقت، عدم الإخلال بعمل الآليات المتعلقة بالحد من المخاطر المرتبطة بعملية منح الائتمان والسيولة، أو مخاطر السوق والمخاطر التشغيلية، مع مراعاة تناسب النمو في قيم الأصول المالية مع النمو في الاقتصاد الحقيقي، ونمو فرص العمل المستدامة.
ولا يقتصر مفهوم الاستقرار المالي على كيفية التعامل مع الأزمات المالية وقت وقوعها فقط، ولكنه يعمل بالأساس على تأهيل القطاع المالي لاستيعاب وامتصاص تلك الأزمات، والحد من احتمالات وقوعها، وتقليص فرص انتقال تداعياتها الى مكونات القطاع المالي المحلية الرئيسية، ومن ثم إلى باقي القطاعات الاقتصادية بالدولة. وهذا يتطلب قدراً كبيراً من الشفافية وحاكمية المؤسسات والأسواق المالية. بالإضافة إلى ضرورة الربط بين المؤشرات الاقتصادية الكلية والمؤشرات الخاصة بالسلامة المصرفية، وتحقيق انضباط الأداء بالأسواق المالية، والتأكد من قدرة النظم الخاصة بالمدفوعات والتسوية والمقاصة على الاستمرار، وقت الأزمات، في القيام بوظيفتها بكفاءة.
ويتطلب تحقيق الاستقرار الاقتصادي المستدام بالضرورة وجود قطاع مالي متطور ومستقر وقادر على توجيه المدخرات لتمويل فرص الاستثمار المنتجة القادرة على توفير المزيد من فرص العمل، ورفع مستويات الإنتاجية للمستويات القصوى الممكنة، ومن ثم فإن تحقيق الاستقرار في القطاع المالي يمكن اعتباره نقطة انطلاق نحو تحقيق الاستقرار الاقتصادي.
من جهة أخرى، يتطلب الاستقرار المالي استقرارا نقديا يتمثل في قدرة القطاع النقدي على تحقيق استقرار في المستوى العام للأسعار عند المستويات المستهدفة، والتي تتراوح حول معدل 2 بالمائة في الدول المتقدمة وأعلى قليلاً في الدول النامية والاقتصادات الناشئة. علاوة على وجود هيكل واضح لأسعار الفائدة ينسجم مع التطورات الاقتصادية المحلية والدولية، ويستطيع بدرجة مناسبة من الكفاءة تنظيم كمية وأسعار شروط الائتمان بشكل يدعم النمو الاقتصادي ويحول دون تركز وتراكم مخاطر الائتمان وخاصة فيما يتعلق بالقطاعات الأكثر عرضة للتقلبات.
وتتضح العلاقة بين السياسة النقدية والاستقرار المالي من خلال تأثير الأدوات المستخدمة في السياسة النقدية كسعر الفائدة، على قدرة الشركات العاملة بالاقتصاد على خدمة مديونياتها للبنوك، وكذلك تأثير التطورات في أسعار الفائدة على أسعار الأصول المالية والسلع. هذا بالإضافة إلى أن تفعيل دور أدوات السياسة النقدية لتعزيز النمو الاقتصادي، كاستخدام سعر الفائدة لتحفيز النمو، ووجود سياسة لسعر الصرف تحد من التقلبات غير المبررة وتمنع عمليات المضاربة على العملة، يدعم جهود تحقيق الاستقرار الاقتصادي، ويعزز التنافسية الدولية. وتؤكد حالة التكامل بين الدور الذي يقوم به القطاع المالي ودور السياسة النقدية على عدم إمكانية تحقيق الاستقرار المالي بمعزل عن الاستقرار الاقتصادي.

مقالات ذات صلة

شاهد أيضاً

إغلاق
إغلاق
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock