أفكار ومواقف

الاستقلال مسعى، وليس حادثا

لا شيء أروع من رفع علمك الوطني، والهتاف بنشيدك الوطني بعد التحرر من احتلال. وتشبه بهجة لحظة استقلال الدول بعد استعمارها نشوة المُستعبد حينَ يُعتق ويصبح سيّد نفسه ومصيره. لكنّ الخبرة تبيّن أن استقلال الدول وحريّة الإنسان، ليست مفهومات قطعية تتحقق بمطلقها في لحظة من الزمن، وإنما هي في الغالب عمليّة طويلة ومسعى مُجهِد، يبدأ في لحظة طقوسية مثل الولادة، لكنه يمتدّ بطول حياة.
والاستقلال -رديف الحرية- معنى لا تستنفده الفلسفة واللغة. لكنني قرأت في نص إنجليزي تعريفاً له ينتهي بعبارة تستحق الوقوف وتحرِّض على التأمل، تمكن ترجمتها على النحو التالي: “… وضدُّ الاستقلال هو: الاعتمادية/ التبعية/ الاتكالية”. وعلى أساس هذه الثنائية المتعارضة المهمَلة في وعينا عادة، ينبغي قياس درجة الاستقلال، أو المسافة التي قُطعت في الاستقلال -كعملية، بالمعنى الذي أقترحتُه أعلاه. وفي الحياة الكثير من المجازات التي تبيّن الفكرة: الطفل الذي يقف للمرة الأولى على قدميه وتتركه اليد الراعية ليجرب المشي؛ العُصفور المحبوس طويلاً في قفص لدى إطلاقه للمرة الأولى؛ والعَبدُ الذي ولد وتربّى في إقطاعية لم يشاهد غيرها، ثم أعتقوه وقالوا له: انطلق، أنت حرّ!
هذه الحالات وغيرها، هي لحظات مفصلية في تجربة الكائن، يجدُ نفسه فيها أمام اللحظة الأولى فقط من رحلة التخلص من الاعتمادية والتبعية والاتكالية، وباتجاه الاستقلالية. وفي المراحل المختلفة اللاحقة، ينبغي أن تتحوّل علاقاته مع الآخرين إلى التناظُر، والتعاون، والندّية في إطار التعالُق الضروري الذي تستوجبه ضرورة الاجتماع وتحقيق المصالح والحاجات. وعادة ما تتفاوت الكائنات في قدرتها على قطع شوط طويل أو قصير باتجاه الاستقلال، بفعل عوامل ذاتية وموضوعية، لعلّ من أهمها المثابرة والإصرار، والتقدير الصحيح للمكان والوجهة.
وإذن، لا يُمكن الحديث عن مجرد خروج قوات أجنبية من البلدان المستَعمرة، باعتباره نهاية واستقلالاً في حدّ ذاته. إنّه في الواقع بداية غالباً ما تكون صعبة في اتجاه الطيران بالأجنحة الذاتية والإرادة الخاصة. وفي حالة منطقتنا التي خضعت لاحتلالات متعاقبة ومطوّلة، أصبح الاستقلال يعني التخلُّص من عقلية التابع أولاً، واجتراح الإيمان بالقدرة الذاتية، وتأسيس هويّة غير مشوّهة تمزج بين التمايز والتفاعل مع الآخر على قاعدة التبادُل الخالي من الفوقية والدونية. وبالإضافة إلى ذلك، ترتّب على الكيانات القُطريّة التي أفرزتها قوى الاستعمار لإدامة تبعيّة المنطقة، أن تعمل كلاً على حدة لإعاشة نفسها داخل حدودها التي تورطت فيها؛ والتعامل مع محيطها القريب المليء بالشد والجذب؛ وترتيب علاقات يعوزها التوازن غالباً مع المركز الاستعماري الذي لم يفقد مطلقاً أدوات هيمنته وتأثيره من مكانه البعيد.
هذه التحدّيات التي تنطوي عليها فكرة الاستقلال بمعناها النهائي، عملت هي نفسها كما يبدو ضد الاستقلال. فقد أصبح تأسيس هوية قابلة للديمومة في الواقع القُطري المفروض، يعتمد على الارتباط بطرف قويّ خارجي من أجل الحماية، أو لاتقاء شرّ هذا الطرف نفسه، أو حتى للحصول منه على الإعالة. كما فرض “الاستقلال” النظري للأقطار العربية التي انشغلت بتأكيد هوياتها الفردية، حالة من التنافس والتصارع على البقاء أو الهيمنة على الجوار، بحيث أضعفت استقلالها جميعاً بنفسها. وحتّى دولنا الغنيّة التي تمتلك وسائل إعالة نفسها، تسيّدتها أنظمة رعويّة احتكرت مداخيلها، وأجهضت قدرتها على الإنتاج وضمنت بقاءها في منطقة المستهلك التابع. وبشكل ما، أصبح معنى الاستقلال، يحيل إلى استقلال النظام المعنيّ عن مجاوريه، بحماية قوى التأثير العالمية التي يستجير بها لقاء بيع الإرادات الوطنية. وباختصار، لم يعد الاستقلال شأناً يخص الشعوب، وعمل ضدّ نفسه بطريقة مرعبة. وكان آخر من أحسّ بأي استقلال عملياً، هم الناس العاديين الذين يحاولون أخيراً انتزاع الاستقلال والتحرر من التبعية بالثورات.
الاستقلال مسعى طويل وليس حادثاً لحظياً. وهو في حالة بلداننا عملية قيد الحدوث، لا تتعلق بيوم إلا بمقدار تأمل المسافة التي قُطعت باتجاه الإفلات من فخاخ التبعية والاعتمادية والدونية والاتكالية أولاً، ومدى الإنجاز في مشروع مثابر واع لخلق وإدامة سبُل للإعالة الذاتية ثانياً -حيث لا حديث عن استقلال قرارك حين يُطعمك الآخرون. الاستقلال، في أفضل تجليّاته، هو حاصل جمع إحساس الناس بأنّهم كيانات مستقلة وذات كرامة.

[email protected]

تعليق واحد

  1. وهم الإستقلال!
    "وبشكل ما ،أصبح معنى الإستقلال،يحيل إلى إستقلال النظام المعنيّ عن مجاوريه، بحماية قوى التأثير العالمية التي يستجير بها لقاء بيع الإرادات الوطنية"
    عبارة شديدة الذكاء تعبر عن عالمنا العربي المستقل!!! فهل يوم الإستقلال إذاً جدير بإظهار كل هذه الزينات والطنّات والزفّات؟! يبدو أنه من كثرة ما يحيط بهذا العالم العربي (مجازا نقول عالماً!) من همٍ وشقاء فنحن نتصنع الفرح والزينة حتى للأوهام.

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock