ترجمات

الاضطراب السياسي ومخاطر كورونا لم توقف الاحتجاجات في العراق

أزهر الربيعي* – (معهد واشنطن لسياسة الشرق الأدنى) 23/3/2020

ازداد المشهد السياسي في العراق تعقيدًا بعد انتشار فيروس كورونا في البلد؛ حيث قام المتظاهرون بتوزيع المنشورات وإلقاء المحاضرات حول طرق الوقاية من الفيروس، وقاموا بتوزيع أقنعة طبية مجانية، والتي تضاعفت أسعارها في الأسواق المحلية. كما تقوم العيادات المؤقتة الآن -التي كان المحتجون قد أنشؤوها قبل أشهر لعلاج الضحايا الذين أصيبوا بالذخيرة الحية وعبوات الغاز المسيل للدموع- بتوزيع القفازات والمعقمات.

  • * *
    في حين تعد إيران المجاورة واحدة من أشد المناطق تضررا جراء تفشى وباء فيروس كورونا، تؤكد السلطات العراقية أيضا على تزايد حالات الإصابات والوفيات، على الرغم من إغلاق الحدود بين الدولتين. ومع ذلك، يرى المحتجون العراقيون أن “القمع والخوف أخطر من الفيروس”، وأعربوا عن رغبتهم في مواصلة احتجاجات ما باتت تعرف باسم “ثورة أكتوبر 2019”.
    على الرغم من تزايد قابلية التجمعات البشرية لتعزيز انتشار وباء فيروس كورونا، استمر المتظاهرون العراقيون في رفعِ الشعارات والاعتماد على الإنترنت لتحدي النظام والفساد والمحاصصة السياسية، حيث نادت التظاهرات بحزمة من المطالب منها: التغير الجذري للوزراء؛ وإيقاف تشكيل الحكومة وفق نظام المحاصصة من خلال انتخاب شخصيات سياسية مستقلة تلقى موافقة جماهيرية؛ وإحالة الفاسدين إلى القضاء؛ وتغيير قانون الانتخابات والسير نحو إجراء انتخابات مبكرة.
    نجحت الاحتجاجات في تغيير الوضع السياسي الراهن في العراق؛ حيث بذل رؤساء الوزراء والمرشحون المتعاقبون الكثير من الجهود لإرضاء المتظاهرين ووقف الاحتجاجات، لكنهم فشلوا في تحقيق ذلك. وهكذا، دفع العنف المتكرر الذي مارسته السلطات العراقية والميليشيات المسلحة العراقيين للخروج إلى الشارع مرة أخرى، حيث أزعجت تلك الاحتجاجات السلطات والميليشيات لترد على المتظاهرين باستخدام الذخيرة الحية والرصاص المطاطي، والماء الحار، والغاز المسيل للدموع، والهراوات والسكاكين. كما تسببت عبوات الغاز المسيل للدموع والرصاص الحي في استشهاد المئات من المحتجين وجرح عشرات الآلاف.
    كما واصلت الميليشيات الإيرانية حملات الاعتقال والخطف والتعذيب والقتل الممنهج ضد المتظاهرين والصحفيين والناشطين في مختلف أنحاء العراق. وفى ظل تلك الظروف، اكتفت الحكومة وسلطاتها الأمنية بإصدار بيانات الاستنكار من دون الكشف عن هوية المجرمين أو الجهات التي ينتمون إليها.
    على الرغم من تلك الهجمات ضد المتظاهرين، تركت استقالة رئيس الوزراء السابق عادل عبد المهدي في 30 تشرين الثاني (نوفمبر) 2019 العراق لحكومة تصريف أعمال، في الوقت الذي تكافح فيه التحالفات والقوى السياسية لإيجاد بديل يرضى المتظاهرين، وذلك على الرغم من تطلع تلك الفصائل السياسية إلى تلبية مصالحها الخاصة.
    بداية، تم ترشيح محمد توفيق علاوي بعد اتفاق مع زعيم التيار الصدري، مقتدى الصدر وزعيم ميليشيا بدر هادي العامري لتمرير الترشيح. وفى حين توعدّ علاوي في أول بيان مصور له بعد تكليفه، بمحاسبة من تسبب بالعنف ضد المتظاهرين، تواصل قوات مكافحة الشغب والميليشيات المسلحة استهداف المتظاهرين السلميين.
    وردًا على تعيين علاوى، رفع المحتجون شعار “مرفوض محمد علاوي”، إذ يرى المتظاهرون أنه شخصية جاءت بها الأحزاب وفق نظام المحاصصة الحزبية، وهو ما دفعهم بعد ذلك إلى المطالبة باستقالة رئيس البرلمان محمد الحلبوسي، وقال بعض الناشطين لكاتب هذا التقرير أن الحلبوسي كان سبباً في اختيار رئيس الوزراء وبقية مجلس الوزراء، وكذلك التأخير في سن قانون الانتخابات الذي يشكل واحداً من أهم مطالب للمتظاهرين.
    بعد فشل علاوي في تشكيل الحكومة في الأول من آذار (مارس) بسبب ضغوطات سياسية، على حد قوله، استقال علاوي، وفتحت استقالته الباب أمام مرشحين جدد كان من بينهم عدنان الزرفي الذي رفضه المحتجون على الفور أيضاً.
    انقسمت آراء العراقيين حول المرشح الجديد؛ ففي حين رأى البعض أن خلفيته وأقامته في الولايات المتحدة قد تساهمان في وضع حد لتدخل إيران ووكلائها في العراق، شكك البعض الآخر في أن الزرفي يمكن أن يكون فعالًا بالنظر إلى أنه لم يشغل أي منصب رئيسي في أي من الحكومات السابقة.
    النشاط الرقمي وسم “ابقَ في المنزل”
    ازداد المشهد السياسي في العراق تعقيدًا بعد انتشار فيروس كورونا في البلد، حيث قام المتظاهرون بتوزيع المنشورات وإلقاء المحاضرات حول طرق الوقاية من الفيروس، وقاموا بتوزيع أقنعة طبية مجانية، والتي تضاعفت أسعارها في الأسواق المحلية. كما تقوم العيادات المؤقتة الآن -التي كان المحتجون قد أنشأوها قبل أشهر لعلاج الضحايا الذين أصيبوا بالذخيرة الحية وعبوات الغاز المسيل للدموع- بتوزيع القفازات والمعقمات.
    بسبب أثر حظر التجوال على الوضع في ميدان التحرير، الذي يعتبر أحد مراكز الاحتجاج الرئيسية، خرج بيان معّد سلفاً والذي يعلن التعليقَ المؤقت للتظاهرات بسبب تفشي فيروس كورونا، بينما أطلق بعض المتظاهرين حملات لتعقيم ساحة الاحتجاجات لتجنب الإصابة، ونزل محتجون آخرون إلى الشوارع لرش المطهرات كإجراءات احترازية لمواجهة انتشار الفيروس.
    حتى إذا غادر المتظاهرون الشوارع بالكامل، فمن المرجح أن تستمر الدعوات إلى التغيير في العمل بحماس على الإنترنت. وقد لعبت مواقع التواصل الاجتماعية دوراً بارزاً في استمرار “ثورة أكتوبر”، من خلال إطلاق الدعوات للتظاهر والاعتصام، والمطالبة بالحقوق. ووجد المتظاهرون والناشطون في منصات التواصل الاجتماعي وسيلة لإيصال صوتهم بعد أن تعمدت وسائل الإعلام الحكومي العزوف عن تغطية الحراك. وبعد كل لحظة يتعرض فيها المتظاهرين للعنف، كانوا يطلقون “هاشتاغ” جديداً عبر مواقع التواصل الاجتماعي، والذي يدعون فيه إلى وقف العنف ضدهم، مطالبين الأمم المتحدة والمنظمات الدولية المعنية بحقوق الإنسان للضغط على الحكومة ودعوتها إلى الالتزام باحترام مواثيق حقوق الإنسان التي وافق عليها العراق وتعهد بصيانتها.
    كان من أبرز الوسوم التي أطلقها الناشطون والتي طالبوا فيها بوقف العنف واحترام حقوق الإنسان: (“وصلت حدها”، “أنقذوا الشعب العراقي”، “العراق ينزف”)، بعد أن حدثت مجازر في محافظة بغداد والنجف قامت بها قوات مكافحة الشغب والميليشيات القريبة من السلطة، والتي فتحت النار على المتظاهرين مما أسفر عن سقوط عشرات الشهداء ومئات الجرحى، ليطلق الناشطون من جديد وسم “العراق يتعرض لإبادة جماعية”، بينما تقف الحكومة العراقية صامتة وعاجزة عن محاسبة المجرمين، وهو مؤشر يراه المتظاهرون ويؤكده مراقبون باعتباره دليلاً على تهاون السلطات العراقية مع منفذي تلك الجرائم بحق الشعب المنتفض.
    أدى تزايد أعداد الشهداء والجرحى إلى زيادة زخم الحراك الشعبي، حيث أطلق ناشطون وسم “#1آذار/مارس_ صوت الشهيد” للاعتراض على تعيين علاوي، والذي ساهم في تحشيد المحتجين من جميع أرجاء العراق وتجمعهم عند بوابة المنطقة الخضراء، وسط مخاوف من انتشار فيروس كورونا المستجد، ما دعا الناشطين إلى إطلاق هاشتاغ “#الكمامات_ موعيب”، والذي يدعون فيه المتظاهرين إلى لبس الكمامات الواقية من الغاز المسيل للدموع وكورونا على حد سواء.
    دعا ذلك علاوي إلى نشر تغريدة يشرح فيه أسباب رفضه للوزارة حيث قال: “كان الخيار بسيطاً وواضحاً، وهو أن أكون مع شعبي الصابر، وخاصة عندما رأيت أن بعض الجهات السياسية ليست جادة بالإصلاح والإيفاء بوعودها للشعب ووضعت العراقيل أمام ولادة حكومة مستقلة تعمل من أجل الوطن”.
    ومع ذلك، لم يهدئ اعتذار علاوي الشارع الغاضب، ما دفع العراقيين إلى مطالبته بالكشف عن الأسباب التي دعته إلى الاعتذار عن إكمال المجلس الوزاري بعد أن دار صراع بين القوى السياسية وتصاعدت الضغوطات الخارجية من أجل تمرير مرشحين غير كفؤين. وقبيل إعلان علاوي عن فشله في تشكيل الحكومة، شهدت ساحات التظاهر في بغداد، ومنها ساحة الخلاني، سقوط شهداء وجرحى بين صفوف المتظاهرين الذين قدموا من جميع محافظات العراق، بينما فشل المكلف علاوي في الوفاء بتعهده بإيقاف العنف ضد المحتجين.
    أسهم الهاشتاغ عبر منصة “تويتر” على جلب اهتمام وسائل الإعلام والمنظمات الأممية حول العالم، وكذلك الضغط على الجهات الرسمية الحكومة؛ حيث سارعت بعض الحكومات الدولية مثل كندا، كرواتيا، الجمهورية التشيكية، فنلندا، فرنسا، ألمانيا، هنغاريا، إيطاليا، هولندا، النرويج، بولندا، رومانيا، إسبانيا، السويد، المملكة المتحدة والولايات المتحدة، بإدانة العنف ضد المحتجين في العراق.
    حتى قبل تصاعد تهديد انتشار وباء كورونا في العراق، وفرت الاحتجاجات على الإنترنت أيضًا مسارًا بديلًا للمتظاهرين للمطالبة بحقوقهم أثناء فرض الدولة حظر التجول أو العنف. والآن، بعد أن عاد الناس إلى منازلهم، مدفوعين بحملة “#ابق في منزلك”، فإن العراقيين يميلون مرة أخرى إلى الاحتجاجات الافتراضية لمواصلة ثورة أكتوبر 2019 أو “ثورة تشرين”.
    ومن المرجح أن يسهم الحوار المستمر بين المتظاهرين في بقاء حركتهم حية حتى فترة ما بعد التباعد الاجتماعي الحالي الضرورية لوضع حد للعنف ومواجهة الوباء. وعلاوة على ذلك، أظهر بيان المتظاهرين الأخير أن حركة الاحتجاج ليس لديها أي نية لتهدئة دعواتها للإصلاح الجاد.

*صحفي مستقل من العراق، تخرّج من كلية
الطب البيطري في جامعة البصرة في العام 2016، ويعمل في مجال الإعلام منذ العام 2014. تركز كتاباته على عدد من الموضوعات المتنوعة في المجالات السياسية والصحية والاجتماعية، والحروب وحقوق الإنسان في العراق.

الوسوم

مقالات ذات صلة

إغلاق
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock