أفكار ومواقف

الاعتصامات السلمية تطهر المجتمع

وظيفيا؛ يتكون المجتمع الأردني من شرائح عديدة،  كالمزارعين والصناعيين والمعلمين والعسكريين.. إلخ، والتي تشكل بتفاعلها جميعا ما يُعرف بالبناء الاجتماعي، والتي تشكل في المحصلة هويتنا الوطنية المنفتحة على التناصح والمراجعات الإصلاحية على الدوام. ومع هذا، فإن الملاحظ من منظور علم الاجتماع السياسي أن شريحة السياسيين الأردنيين، وتحديدا الحكومات المتعاقبة رغم قلة عددها نسبة إلى عدد سكان المجتمع الكلي في ملايينه الستة تقريبا، بقيت هي القائدة والمخططة منفردة لعناوين وحركات المجتمع جراء تغييبها للأحزاب أو إضعافها لها ضمن مسيرة مجتمعنا المتأرجحة في نسب الديمقراطية تناغما مع تقلبات وصراعات الإقليم عموما.
فشريحة السياسيين شكلت في مجتمعنا ما يشبه الجزيرة السياسية تقريباً (ابن الوزير وزير مثلا) عبر التوارث والمصاهرات التي كانت تجدد حضورها وتوريثها الأبناء للمناصب المتقدمة والموجهة للسياسيات الاقتصادية، لاسيما الخصخصة بتطبيقاتها الأردنية المتسرعة والخاطئة رغم تحول العالم كله تقريبا للأخذ بها، والتي أوصلتنا جراء غياب الرقابة والتخطيط الحصيف إلى هذا الواقع المر بالمديونية والاعتداء على المال العام، إضافة إلى إقصاء الأدوار الرقابية لمجالس النواب شبه الصورية المتعاقبة عبر التدخل في انتخاباتها وتزوير نتائجها لاحقا كما أعلن مرارا عن تفشي هذه الآفة أيضا للدولة الأردنية عبر عقود، والاستئثار بالقرارات المفصلية، لا بل هذه الشريحة بقيت هي الممسكة للآن بمفاصل القرارات المختلفة للدولة الأردنية.
وبناء على ما سبق، انبلجت الاعتصامات المتواصلة منذ ثمانية أشهر تقريبا. وبغض النظر عن النوايا غير المعلنة لبعض المعتصمين، فقد رشحت هذه الاعتصامات كنتيجة منطقية لاستئثار شريحة سياسية صغيرة بصياغة وتوجيه مسيرة المجتمع الأردني التنموية، والتمثيل غير العادل لأغلبية شرائح مجتمعنا الشاب والمتعلم  خصوصا بين المحافظات خارج عمان. إذ تُمثل الاعتصامات السلمية في الأردن علميا ما يشبه “تمتن” المجتمع جراء إحساسه الجمعي بخطورة كسل أو استمرار ترهل أو تخلف أنساقه الأخرى غير السياسية وترابطا معها. لا بل إن الاعتصامات للآن تشبه “العطس” المتكرر لجسد مجتمعنا الذي يشبه جسد الإنسان المحتقن بدورته الدموية، وبالتالي فهو بحاجة إلى ما من شأنه أن يطرد الترسبات المرضية التي لحقت بالدورة الدموية لمجتمعنا الطيب والآمن عبر مسيرتنا الطويلة نسبيا. إذ سرعان ما يستعيد الجسد الاجتماعي عافيته بعد وقفات تقييمية وإصلاحية مؤسسية صادقة وتشاركية، نتمنى أن تتعمق بهدف المراكمة على ما أنجز وطنيا بكل حس نبيل ومسؤولية للدفاع عن هوية الأردن عربيا وإسلاميا في إقليم يمور بالاحتمالات.
أخيرا، هل سنشهد تفهما وتوافقا وطنيا عنوانه أن جسد وطننا يحمل بداخله غنى وتنوعا من مختلف منابته وتطلعاته، ما يؤهلنا جميعا بأن نحول الصراع السياسي المتأثر حكما بمحيطنا العربي إلى مسرح نموذجي للمنافسة بيننا أفرادا وأحزابا وقوى مجتمعية على زيادة وتعميق الإنجازات التي صاغتها الأجيال الأردنية المتراحمة تحت خيمة القانون والمواطنة، لأنهما سندنا الدائم والمستدام بإيماننا وعملنا الهادف.

[email protected]

مقالات ذات صلة

تعليق واحد

  1. شكر وابداء الرأي
    والله أنك يا دكتور حسين المحادين المحترم
    على اتم الرأي وأنك على طريق منير يؤدي الى الحقيقة….
    وشكرا

شاهد أيضاً

إغلاق
إغلاق
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock