أفكار ومواقف

الاعتقاد بعدالة العالم

ربما لا يجد رجل الأمن العراقي الذي ينتظر الموت من كل الاتجاهات وفي كل لحظة،المخيلة المعافاة للتفكير بعدالة العالم رغم انه يمارس اخطر مهنة في هذا العالم وفي أسوأ مكان للحياة في العالم أيضا، بينما يجد مئات الآلاف من العراقيين الذين يتوقعون الموت في كل وقت في أماكن العبادة وفي الميادين العامة وفي حافلات النقل وفي داخل بيوتهم  كل الوقت لهجاء هذا العالم.


كما يجد مئات الآلاف من الفلسطينيين المكدسين في العلبة الآدمية المسماة غزة آلاف المبررات اليومية للشعور بحجم نكران العالم وعدم عدالته، كذا الحال لقروي في أعالي الأهواز أو فلاح في جبال كردستان ينتظرهما قدر غامض من الموت بنار الأعداء والأصدقاء ولا فرق، وهي مرارة عدالة العالم التي يشعر بها ماسح أحذية على أبواب ميناء عدن، وقس على ذلك ملايين المحرومين والمهمشين وحتى الفقراء والعاطلين عن العمل.


الدراسات الحديثة التي تناولت دور العولمة والإعلام الجديد في تغيير العالم تشير إلى حجم مشاعر النقمة والسخط التي باتت تنتاب ملايين البشر في جهات العالم المختلفة؛أولئك الذين تكويهم صراعات تاريخية طويلة ومريرة، ويعانون من ظلم مزمن يمتد عبر تراث العلاقات الدولية الظالمة؛ ومثالهم حاضر دوماً في مجتمعات الشرق الأوسط، والآخرون الذين يعانون من الحرمان والتهميش والدونية أو السخط والاستبداد،  وأحيانا كثيرة تجتمع كل هذه المصائب في مكان واحد،حيث تتصارع وسائل الإعلام الجديد وأدوات صناعة الثقافة بين استقطابين؛ أولهما يبدو فيما توفره هذه الوسائل من فرص وإمكانيات زادت من إدراك تلك المجتمعات لما تنكره بضائع العدل والحق المعاصرة عليهم،الأمر الذي أضفي المزيد من الإحساس بحجم الظلم الذي يحكم العالم، وثانيهما وهو الاستقطاب المناقض والذي يمارسه الإعلام الجديد أيضا في ترسيخ أسطورة تقليدية تقول بعدالة العالم ومحاولة تجميل وجهه الكالح.


أدوات صناعة الثقافة ووسائل الإعلام تقدم اليوم المعادل الموضوعي للناس لقبول الظلم وتبرير الوقائع الراهنة وهي مهمة تقليدية لم تتوقف وسائل الإعلام عن ممارستها وفق صيغ الإكراه السياسي التقليدي،لكن الجديد يبدو في القدرة على كشف وخلق الإحساس والوعي بعمق الفجوة بين جهات العالم،وحجم ما يكتنفه العالم من علاقات ظالمة،بل وكيفية استساغة الناس وتبريرهم للأحداث الظالمة وغير العادلة؛ حينما تحول العالم إلى مجرد دراما واسعة مفادها “إن الناس ينالون ما يستحقون ويستحقون ما ينالون”.


كانت ظاهرة”الاعتقاد بعدالة العالم” تسود على نطاق محدود في دراسات التراث النفسي للمجتمعات المضطهدة،قبل أن تصب في صلب حقل واختصاص الإعلام الجديد، كما يبدو في عشرات الموضوعات اليومية التي تلاقي الرواج لتصنيفها أو تفسيرها في سياق ذلك المبدأ من خلال ما نلاحظه في مئات القصص الإخبارية ومثلها أجناس الدراما والأعمال الفنية وحتى في أشكال الآداب الجديدة ومختلف أدوات التعبير، أما الموضوعات التي يستهدفها الإعلام وأدوات الثقافة الجديدة في صياغة مبدأ “الاعتقاد بعدالة العالم” فإنها تبرز في تبرير الحروب والقتل الجماعي وتفسير التعصب والعنف والمجاعات والتخلف وحتى الكوارث الطبيعية.


الإعلام وأدوات صناعة الثقافة الجديدة يسهم كل منها في اللعب على وتر قديم في التسويغ والتبرير، لجعل الناس أكثر قدرة عل تحمل العالم من خلال تعميم الاعتقاد بعدالة العالم، وما تلاقيه المجتمعات هو نتيجة ما فعلته، والأطروحة الأساسية هنا تقول إن الناس غير مبالين بالظلم، ليس لأنهم لا يهتمون بالعدالة، بل الشيء الأهم من ذلك أنهم يعتقدون أن العالم عادل حتى في الحرب والموت والاضطهاد،كما يعتقدون أن الضحايا المغتصبات من النساء لابد أن تصرفاتهن كانت تثير الإغراء واستحققن ما وقع لهن، والمرضى هم المسؤولون عن مرضهم، والفقراء يستحقون كل هذا الحرمان لأنهم لم يبذلوا الجهد الذي يستحق مساواتهم بالآخرين.


ثمة صراع بين استقطابين بين الكشف والتستر والتبرير والمستمر هو العلاقات الظالمة ذاتها.


[email protected]  

تعليق واحد

  1. هل يوجد عدالة في العالم ؟؟؟
    أي عدالة هذه وبأي منطق نحلل هذه النتائج المخزية حتى نستطيع أن نتكلم او نعتقد بوجود عدالة في هذا العالم المخزي حقا شعاره تحقيق العدالة والديمقراطية.
    اليوم ليس ثمة بلد واحد في الشرق الأوسط يتمتع شعبه بعدالة حقيقية، لذلك لا وجود لسلام حقيقي على الأرض، ولا في أفئدة الناس، لا راحة بال لا للصغار ولا للكبار.
    ولكن السؤال عندما نتحدث عن العراق وفلسطين ومعاناة شعوب هذه الدول ودول العالم الثالث، هل عرف التاريخ قط امة مستَعمِرة كانت منصفة وعادلة؟ بالطبع لا..

زر الذهاب إلى الأعلى

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock