أفكار ومواقف

الاقتراب من الأمن المجتمعي

أصبح من البديهيات، والصغير قبل الكبير، والأُمي قبل المتعلم، يعي تمامًا بأن العالم كله، سيدخل مرحلة جديدة ومختلفة في طبيعتها، فما بعد “كورونا” حتمًا سيكون مختلفًا عما قبل ذلك الوباء، مع ما يرافق ذلك من تداعيات اقتصادية، الأردن ليس ببعيد عنها.
إلا أن تصريحات رئيس الوزراء عمر الرزاز، في إيجاز صحفي الأسبوع الماضي، تبعث بأكثر من رسالة، منها ما هو متعلق بمصير الحكومة وكذلك المجلس النيابي الثامن عشر، إذ قد يُفهم من تلك التصريحات بأن الحكومة باقية، ما يعني تلقائيًا التمديد لمجلس النواب الحالي.
ومن تلك الرسائل، التناقض الواضح في تصريحات الرئيس الرزاز ووزير ماليته محمد العسعس، فالأول يتوقع أن ترتفع أرقام البطالة أكثر، بينما الثاني يتوقع “بدء تعافي الاقتصاد الوطني من آثار أزمة فيروس كورونا خلال الثلث الثالث من العام الحالي”.
أما أهم وأخطر رسالة، التي يمكن استخلاصها من تصريحات الرزاز، هو الاقتراب من الخطوط الحمراء بالنسبة للأمن المجتمعي من خلال “التجرؤ” على القطاع العام، الذي يُعتبر صمام أمان لدولة مثل الأردن.
ورغم الإقرار بأن القطاع العام يُعاني من ترهل إداري، فإن الحل الوحيد لدى الرئيس الرزاز بشأن هذه القضية هو التوجه إلى دمج مجموعة من الوزارات والمؤسسات والهيئات، ما يعني بكل تأكيد الاستغناء عن موظفين، بالإضافة إلى تعرض الكثير إلى “مزاجية” المسؤول المباشر، فنحن قوم نُقيم بناء على حب وكراهية وابن عشيرة أو محسوب على جهة ما، لا على الكفاءة والخبرة والعدالة.
إن هذه الخطوة قد تكون إجراء من إجراءات ضبط الإنفاق الحكومي، ولكنها ليست الوحيدة لضبط الهدر في الجهاز الحكومي، الذي وصل إلى حد “التخمة”… فتلك الخطوة يترتب عليها أكثر من سلبية، من قبيل الاستغناء عن كل موظف وصل إلى سن التقاعد المبكر بالنسبة لمشتركي المؤسسة العامة للضمان الاجتماعي، وكذلك إحالة من بلغت خدمته 25 عامًا فأكثر إلى التقاعد بالنسبة لقانون التقاعد المدني، فضلًا عن أنه قد يتم اللجوء إلى عمل تسويات مع الموظفين الذين لا ينطبق عليهم الشرطان السابقان، كأن يتم الاستغناء عمّن بلغت خدمته عشرين عامًا مقابل مبلغ من المال.
الرئيس الرزاز يؤكد بأن “أرقام البطالة مرتفعة، ومن المتوقع أن ترتفع أكثر، وأن هناك حاجة لتشغيل الشباب الأردني”… لكنه تجاهل أو يتجاهل بأن تلك الخطوة ستزيد من أرقام البطالة أكثر فأكثر، فآلاف الأردنيين، سيكونون في عداد الفقراء، رغم أنهم يتقاضون رواتب تقاعدية.
صحيح أن التحول الإلكتروني والاقتصاد الرقمي أصبح ضرورة، وعلى الكل أفرادا ومجتمعات التوجه إليه، لكن على الحكومة أن تتيقن أن القطاع العام مرتبط ارتباطا وثيقا فيما يُسمى بـ”الأمن المجتمعي”، حيث كان وما يزال صمام أمان للدولة، التي هي المسؤول الأول والأخير عن ذلك، حيث كان ديدنها “التوظيف” في الجهاز الحكومي، رغم أنها تعلم بأنه “متخم” بالبطالة المقنعة، فذلك كان يدر عليها مكاسب.
وهنا يجب الإجابة على سؤال مفاده “لماذا تريد الحكومة الاستعجال في “ترشيق” القطاع العام؟”، رغم توقعات وزير المالية محمد العسعس بـ”بدء تعافي الاقتصاد”، خلال أشهر.

مقالات ذات صلة

إغلاق
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock