اقتصادتحليل إقتصادي

الاقتصادات في سبيلها لمواجهة تحديات جديدة

سانجايا بانث وجيال بازارباشيوغلو*

واشنطن- العالم آخذ في التغير. ومن “كوفيد 19” وتغير المناخ إلى التحول الرقمي وتباين الخصائص الديموغرافية، تجابه البلدان الأعضاء في الصندوق تحديات جديدة. وتختلف البلدان في شعورها بآثار هذه التحديات التي ستنعكس بالتأكيد في موازين مدفوعاتها، ما قد يقوض الاستقرار الاقتصادي العالمي.
ولذلك فمن المهم أن يجري الصندوق أيضا مراجعة لمشورته المتعلقة بالسياسات، وأنشطته في مجالي الإقراض وبناء القدرات، كي يحدد ما إذا كان يتعين تعديلها على أساس انتقائي، وبأي صورة يتم ذلك، حتى تلبي الاحتياجات المتغيرة لبلدانه الأعضاء. فعلى سبيل المثال، تهدف الجهود الجارية لإنشاء صندوق استئماني للصلابة والاستدامة إلى البناء على العملية التاريخية التي تمت في العام الماضي لتوزيع مخصصات من حقوق السحب الخاصة بقيمة 650 مليار دولار وتلبية متطلبات التمويل الأطول أجلا للبلدان الأعضاء الأشد احتياجا إليها في سعيها للتكيف مع عالم يشهد تغيرا سريعا.
وهناك رابطة لا تنفصم بين كثير من التحديات الأطول أجلا التي تواجهها البلدان منخفضة الدخل بشكل خاص وبين قضايا التنمية. غير أن تمويل التنمية وحده لا يكفي لمعالجة أهداف السياسة العامة العالمية المتداخلة التي تتطلب تحركا من جانب كل المؤسسات المالية الدولية. ويعمل الصندوق في نطاق المهمة المنوطة به في السعي لمعالجة هذه التحديات. والواقع أن هناك ضرورة لإجراء تغييرات اتجاهية لضمان استمرار الصندوق في تأدية مهمته التي تحددت منذ أكثر من 75 سنة مضت في اتفاقية تأسيسه -ولا سيما في مساعدة البلدان الأعضاء على تجاوز مشكلات ميزان المدفوعات دون اللجوء إلى تدابير تهدد الرخاء على المستوى الوطني أو الدولي.
حين فتح الصندوق أبوابه في العام 1947، كان الفهم السائد للتمويل هو أنه الإقراض العاجل لسد احتياجات ميزان المدفوعات لمدة بالغة القصر حتى يتمكن البلد المتلقي من التغلب على الصدمات المؤقتة والحفاظ على تعادل سعر صرف العملة الوطنية أمام الدولار أو الذهب. غير أنه كان ينبغي تحديث تسهيلات الصندوق التمويلية مع الوقت في ظل التطور الذي طرأ على طبيعة مشكلات ميزان المدفوعات لدى بلدانه الأعضاء. ففي العام 1952، على سبيل المثال، تم استحداث اتفاق الاستعداد الائتماني الذي أصبح الآن من التسهيلات المتعارف عليها، ولكنه كان يعد حينذاك نوعا من الابتكار الثوري لأنه يقدم للبلد العضو تأكيدات تتعلق باستخدام موارد الصندوق في المستقبل بدلا من أن يلبي احتياجا آنيا لديه، ما دام محافظا على استيفاء شروط كل شريحة من شرائح القرض.
وفي أوائل السبعينيات، أدرك الصندوق أن صدمة أسعار النفط ستؤثر على البلدان الأعضاء بصورة متباينة وفقا لفواتير استيراد النفط لدى كل منها -ومن ثم ستحدث تحركات في حساباتها الجارية وتنشئ ضغوطا طويلة الأمد على موازين مدفوعاتها. وبالتالي، استحدث الصندوق أدوات لإتاحة التمويل الميسر على أساس أطول أمدا وأكثر تيسيرا إلى حد ما. ومع اعتماد أسعار الصرف المرنة على نطاق واسع في الوقت نفسه تقريبا، أجرى الصندوق أيضا إصلاحا شاملا لأنشطته الرقابية.
ورغم بواعث القلق في ذلك الحين، لم تتسبب هذه الابتكارات في تغيير الطابع الجوهري للصندوق بصفته مؤسسة نقدية تعنى بالتأكد من أن موازين المدفوعات تمتلك مقومات البقاء والاستدامة باعتبارها شرطا أساسيا للاستقرار الاقتصادي الكلي والمالي.
واستمرت عمليات التكيف والابتكار كلما اكتُشفت تحديات جديدة. فتم تدعيم مساعدات الصندوق الطارئة (التمويلية والمخفِّفة لأعباء الديون) التي تصرف على أساس عاجل، بما في ذلك ما حدث في أعقاب كوارث طبيعية مثل فيروس إيبولا في غرب إفريقيا وزلزال هايتي. وبالتالي، فحين وقعت جائحة “كوفيد 19″، كان الصندوق في وضع متميز بالفعل أتاح له التحرك السريع لتقديم الدعم المؤقت للبلدان الأعضاء التي تحتاج إليه، وهو ما يواصل القيام به الآن من خلال برامج الإقراض التقليدية في سياق الأزمة المستمرة.
ومن المؤسف أن صدمات التمويل التقليدية على المدى القصير إلى المتوسط سوف تتكرر مع خروج العالم من حقبة الجائحة. فزيادة التضييق النقدي عن الدرجة المتوقعة في مواجهة الضغوط التضخمية في الاقتصادات المتقدمة، على سبيل المثال، تخلف تداعيات على موازين المدفوعات في بلدان الأسواق الصاعدة. وستحتاج البلدان التي تتحمل أعباء مديونية مرتفعة إلى العمل على تجنب الأزمات على صعيدي المالية العامة والتمويل. كذلك سيتعين على كبرى البلدان المصدرة والمستوردة للسلع الأولية أن تواصل بناء قدرتها على الصمود في مواجهة التذبذبات السعرية الكبيرة. وفي سياق مساعدة الصندوق للبلدان الأعضاء على معالجة هذه التحديات، سيواصل استخدام أدواته التقليدية للرقابة والإقراض وبناء القدرات، وإن كانت الضرورة قد تتطلب إدخال تعديلات طفيفة عليها في بعض الأحيان. غير أن زيادة تركيز أنشطة الرقابة والإقراض على قضايا المدى الأطول هي أمر ضروري أيضا في المنعطف الراهن. فالقضايا الهيكلية المتجذرة بدأت تصبح أوسع انتشارا في عالم اليوم؛ ومن ثم ينبغي معالجتها الآن للحيلولة دون ظهور مشكلات مستقبلية أكبر وأكثر إيلاما على مستوى ميزان المدفوعات.
ويؤثر تغير المناخ على البشرية جمعاء، ولكن تأثيره على البلدان متفاوت. وبالمثل، لن تتمكن كل البلدان بقدر متساوٍ من اغتنام الفرص التي تجلبها المستحدثات الرقمية، مثل العملات الرقمية للبنوك المركزية. وهناك ضغوط ديموغرافية متفاوتة إلى حد كبير في مختلف أنحاء العالم. كذلك فإن أوجه عدم المساواة تزداد اتساعا في توزيع الدخل وفيما بين الجنسين.
وللنجاح في التصدي لهذه التحديات، يتعين التعاون بين الصندوق والمؤسسات الأخرى التي تتمتع بخبرة متخصصة في هذه المجالات، مثل البنك الدولي. ولما كانت هذه الاتجاهات الجديدة تجلب معها تداعيات متفاوتة على البلدان الأعضاء، فسوف يعني هذا بالضرورة انعكاسها -بدرجات تزيد أو تقل- على موازين المدفوعات في فرادى البلدان. ومن ذلك، على سبيل المثال، تغير المناخ الذي سيفضي إلى ارتفاع معدلات استيراد المواد الغذائية، والهجرة الخارجة في كثير من البلدان المتضررة.
ستؤثر التغيرات الرقمية على تجارة السلع والخدمات، وإن كانت ستؤثر أيضا على تدفقات رأس المال عن طريق تسريع وتيرة الابتكار المالي. وما لم تتم الاستفادة من الضغوط الديمغرافية بالصورة الصحيحة، يمكن أن ترتفع البطالة في البلدان التي تتسم بسرعة النمو السكاني وارتفاع نسبة الشباب، بينما يمكن أن يصبح نقص العمالة والسلع والخدمات مشكلة للمجتمعات التي تعاني الشيخوخة.
وهكذا، فإن التحديات التي تواجه البلدان الأعضاء في الصندوق تتطور بلا توقف. غير أن الحاجة تظل باقية إلى مشورة الصندوق بشأن السياسات -ومساعداته التمويلية في بعض الأحيان. لذلك يواصل الصندوق، كدأبه في السابق، إضافة أدوات منتقاة إلى مجموعة أدواته التقليدية لكي يظل على استعداد لمواجهة هذه التحديات بالتعاون مع المؤسسات الأخرى.

*يشغل بانث منصب نائب مدير إدارة الاستراتيجيات والسياسات والمراجعة (SPR) في صندوق النقد الدولي. وتعمل بازارباشيوغلو في صندوق النقد الدولي وهي تشرف أيضاً على التفاعلات بين الصندوق والكيانات الدولية، مثل مجموعة العشرين ومنظمة الأمم المتحدة.

زر الذهاب إلى الأعلى

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock