اقتصادتحليل إقتصادي

الاقتصاد الأردني بين المتانة والإفلاس

د. عيسى صالح

الإفلاس مصطلح يتم إطلاقه على الأفراد أو الشركات حينما يكون هناك عجز عن تسديد الالتزامات وخاصة الديون، وحين تفلس الشركة يتم تصفيتها وبيع ما تبقى من أصولها للإيفاء بجانب من التزاماتها ويتم شطبها كليا من سجل الشركات. في حالة الدول فان هذا المصطلح يتم اطلاقه مجازا على الدول التي لا تقوى على تسديد ديونها وخاصة الخارجية منها، لكن لا يمكن أن نقول إن الدولة أفلست بالمعنى الحرفي الذي يتم إطلاقه على الشركات، فأي دولة تمتلك أصولا قيمتها لا نهائية حتى لو عجزت عن الإيفاء بالتزاماتها. وفي حال وصلت الدول الى مرحلة اعلان عدم القدرة على تسديد ديونها فان هناك إجراءات يتم تنفيذها لمعاجلة المشكلة مثل إعادة جدولة الديون او الاقتراض الموجه الى اجراء إصلاحات هيكلية برعاية المؤسسات الدولية بهدف إعادة الاقتصاد الى مساره الصحيح، وبما يضمن إعادة الثقة والقدرة المستقبلية على الإيفاء بالالتزامات للدائنين.
ضجت وسائل الاعلام المحلية ووسائل التواصل الاجتماعي مؤخرا بهذا المصطلح بعد أن قام مسؤولون سابقون بالتحذير من قرب وصول الاقتصاد الأردني الى حالة الإفلاس من خلال المقارنة بين المؤشرات الاقتصادية الكلية للبنان والأردن.
ان تشبيه الأردن بلبنان فيه إجحاف وتجن على الواقع الحالي للاقتصاد الأردني، ولعل الحقائق التي نوردها في هذه المقالة تثبت خطأ كل من يتجنى عن قصد أو غير قصد بوصف الاقتصاد الأردني بانه قريب من حالة الإفلاس. وبدلا من مقارنة الواقع الحالي للاقتصاد الأردني بدول أخرى أعلنت عن توقف تسديد التزاماتها للدانين مثل لبنان واليونان وروسيا والبرازيل وغيرها، دعونا نقارن أنفسنا بأنفسنا لكن بفترات مختلفة إبان تعرض الاقتصاد الأردني لهزات مر بها خلال الأربعة العقود الماضية، ومن أبرز هذه الازمات: الازمة الاقتصادية في نهاية عقد الثمانينيات، وأزمة الحربين الأولى والثانية على العراق، وتداعيات الازمة المالية العالمية، وأزمة الربيع العربي وما تمخض عنها من اللجوء السوري وانقطاع الغاز المصري.
وباستثناء أزمة الثمانينيات، لم يعلن الأردن عن التوقف عن تسديد التزاماته لمجتمع الدائنين بالرغم من التراجع في أداء الاقتصاد الأردني خلال تلك الازمات، حيث تراجع معدل النمو الاقتصادي الحقيقي نتيجة حرب الخليج الثانية الى النصف لتبلغ 3.9 % وتراجع معدل النمو في الصادرات السلعية والخدمية الى النصف في عام 2003. وخلال الازمة المالية العالمية، وبعد ان كان الاقتصاد الأردني ينمو بمعدلات مرتفعة تجاوزت 8 %، تراجع معدل النمو الاقتصادي الى حوالي 6 % في عام 2009 ثم الى 5 % في العام الذي تلاه وذلك قبل أن يدخل الاقتصاد في مرحلة النمو المعتدل التي استمرت منذ عام 2011 الى يومنا هذا وبمعدل نمو يتراوح بين 2 % الى 3 %. الاحتياطيات الأجنبية لدى البنك المركزي كانت في تزايد مطرد خلال تلك الازمات باستثناء تراجعه بنحو 3.5 مليار دولار في عام 2012 نتيجة لتخوف المستثمرين والمودعين من تداعيات الربيع العربي.
الأزمة الاقتصادية الأعنف التي عصفت بالاقتصاد الأردني كانت في نهاية عقد الثمانينيات، ومن أبرز مقدماتها هو التراجع التدريجي في الاحتياطيات الأجنبية لدى البنك المركزي وتحديدا من 1.7 مليار دولار عام 1980 الى 840 مليون دولار عام 1984 الى ان وصلت الى 450 مليون دولار عام 1988 وهو عام ذروة الازمة التي أدت الى توقف الأردن عن تسديد ديونه الخارجية وتخفيض سعر صرف الدينار بشكل حاد. وقد بلغ صافي الأرصدة الأجنبية لدى الجهاز المصرفي 350 مليون دولار فقط في عام 1988، وبلغ عجز الموازنة العامة أكثر من 14 % من الناتج المحلي الإجمالي، فيما شهد الاقتصاد حالة من الانكماش الشديد اذ بلغ معدل النمو في الناتج المحلي الحقيقي أكثر من سالب 11 % وارتفعت المديونية العامة الى أكثر من ضعف قيمة الناتج المحلي الإجمالي. لكن وبرغم هذا التراجع الحاد في مؤشرات الاقتصاد الكلي الا اننا لم نشهد مظاهر افلاس الدولة التي شهدتها دول أخرى، فالعمليات المصرفية كانت مستمرة، ولم يتم اغلاق البنوك في وجوه المودعين، والخدمات الحكومية كانت مستمرة ولم يتم قطع إمدادات الماء والكهرباء بالرغم من ان النفط المستورد كان يشكل عصب الخدمات العامة.
المؤشرات الاقتصادية اليوم تختلف اختلافا جذريا عن واقعها خلال الأزمات السابقة واتجاهها العام لا يوحي بأن هناك أي انتكاسة قد تلوح بالأفق لا قدر الله، فحجم الاقتصاد اليوم يزيد بأكثر من 15 ضعفا مقارنة بنهاية عقد الثمانينيات، ومعدل دخل الفرد تضاعف بأكثر من أربعة أضعاف، ونسبة كل من المديونية العامة وعجز الموازنة للناتج المحلي الإجمالي تمثل أقل من نصف مستوييهما، ناهيك عن أن الاحتياطيات الأجنبية تغطي أكثر من تسعة شهور من واردات المملكة من السلعة والخدمات وأكثر من 3.7 ضعف التزامات الأردن السنوية من تسديدات القروض والفوائد خارجية.
الاقتصاد الأردني وان كان يعاني من بعض التحديات المزمنة الا انه يصنف باقتصاد ذات الدول متوسطة-منخفضة الدخل low middle income country، وهذه الدول بمفهوم المؤسسات الدولية والدائنين دول ذات اقتصاد غير ضعيف لدرجة انها غير مؤهلة للاستفادة من برامج شطب الديون او حتى إعادة جدولتها. ومن الجدير ذكره في هذا المجال ان الأردن عندما كان يفاوض دول نادي باريس لتسديد جانب من ديونه لها في عام 2008 مطالبا بالحصول على خصم مناسب، قوبل طلبه بالرفض بداية بحجة أن الأردن مليء ماليا ولا يصنف من الدول الفقيرة HIPC Countries، وبالنتيجة حصل الأردن على خصم من هذه الدول لكن ليس لظروف اقتصادية وانما لدوافع سياسية كان الهدف من ورائها تقديم هذا الخصم على شكل دعم للاردن بسبب دوره المحوري في المنطقة وعلاقاته المتينة مع هذه الدول.
المؤسسات المالية الدولية ومؤسسات التقييم العالمية هي جهات تتحمل المسؤولية الأدبية أمام الدائنين عندما تحابي في تقاريرها الدول التي تقوم بتقييم اقتصاداتها ومدى قدرتها على الإيفاء بالتزاماتها تجاه الدائنين. هذه المؤسسات اليوم لا تتحدث عن الاقتصاد الأردني بالسلبية التي يتحدث عنها بعض المسؤولين السابقين وبعض المحللين الذين نعتوا الاقتصاد الأردني بأنه على حافة الإفلاس، والمطلع على هذه التقارير (منشورة) يلاحظ بأنها لم تتطرق من قريب أو بعيد إلى التحذير من الإفلاس، على العكس من ذلك فان جميعها تتحدث عن استقرار عام في مؤشرات الاقتصاد الكلي.
وخلاصة القول فإن الاقتصاد الأردني ذو قاعدة متينة وبعيد كل البعد عن أن يتم نعته بالمفلس أو على حافة الإفلاس على الرغم من وجود الكثير من التحديات والصعوبات التي ليست وليدة اللحظة وانما هي متأصلة وملازمة للاقتصاد منذ عقود. ومجمل التوصيات التي تتضمنها الاستراتيجيات المحلية والتقارير الدولية لمعالجة هذه التحديات هي لتطوير الاقتصاد وتسريع وتيرة النمو وليس للخشية عليه من الوقوع في براثن الإفلاس.

زر الذهاب إلى الأعلى

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock