أفكار ومواقفرأي اقتصادي

الاقتصاد الأردني و”عنق الزجاجة”

من غير المجدي إعادة استخدام مصطلحات، اعتادت حكوماتنا على استخدامها منذ ما يقارب ثلاثة عقود، لبث رسائل تطمينية إلى المواطنين تفيد أن الأوضاع الاقتصادية الصعبة التي نعاني منها حاليا مؤقتة، وسرعان ما سنخرج منها حال تطبيق بعض السياسات الاقتصادية القاسية.
ومن أكثر هذه المفاهيم استخداما كانت “عنق الزجاجة” والخروج منها، حيث اعتادت الحكومات القول إننا قريبا سنخرج من “عنق الزجاجة”، دلالة على الخروج من الظروف الاقتصادية الصعبة التي نعاني منها، وسرعان ما سينطلق الاقتصاد مجددا، وسيتمتع المواطنون بعدها بحياة أفضل.
هذه المقولة أصبحت مثارا للتندر بين قطاعات واسعة من الأردنيين خلال العقود الثلاثة الماضية، ويتم التعامل معها من قبل غالبية المواطنين الذين دفعوا اثمانا باهظة، وما زالوا من مستويات معيشتهم خلال هذه السنوات، باعتبارها مقولة تحمل الكثير من الاستخفاف بعقولهم من جانب، وبالمستوى الكريم من الحياة الذي يجب أن يتمتعوا به من جانب آخر.
ومع ذلك، فإن مراجعة سريعة لمختلف المؤشرات الاقتصادية والاجتماعية خلال العقود القليلة الماضية، يفيد أن قطاعات واسعة من الأردنيين عاشوا وما زالوا يعيشون في “داخل الزجاجة”، لا بل في “قعر الزجاجة”، وانه خلال الأوقات القصيرة جدا التي اقتربوا من الخروج من عنقها، سرعان ما عادوا الى “قاع الزجاجة” مجددا.
وهذا ليس مفاجئا، فالمؤشرات التي يعتمدها كبار الموظفين الحكوميين في تقييم الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية، تختلف عن المؤشرات التي يعيشها غالبية المواطنين بمختلف تصنيفاتهم وأنواعهم من موظفين وعمال وغيرهم.
من حق كبار الموظفين الحكوميين الاحتفاء بنمو الصادرات الوطنية بنسب غالبيتها ناجمة عن ارتفاع أسعار المنتجات التي تم تصديرها، حيث يشير الرقم القياسي لكميات الإنتاج الصناعي إلى زيادة قدرها واحد بالألف (0.1 %) ما بين شهر أيار (مايو) من العام الحالي 2019 مقارنة بما كان عليه في الشهر ذاته من العام الماضي 2018.
ومن حق كبار الموظفين الحكوميين الاحتفاء بزيادة الناتج المحلي الإجمالي بمقدار واحد بالألف مقارنة بالعام الماضي إذ وصل خلال الربع الأول من العام 2019 الى (2 %) بينما بلغ (1.9 %) خلال الربع الأول من العام 2018 والناجم بشكل أساسي عن زيادة الدخل السياحي وتحويلات المغتربين خلال الفترة الزمنية ذاتها، إضافة إلى زيادة أرباح الشركات. مقابل ذلك، من حق غالبية المواطنين أن يروا أنهم ما زالوا يعيشون في “قاع الزجاجة”، وأن المشوار ما زال بعيدا للخروج منها، ان لم يكن النزول إلى “قاعها” أكبر في ظل إصرار الحكومة على عدم مراجعة سياسات الأجور وخاصة الحد الأدنى لها، وأن مؤشرات البطالة التي يعرفها الجميع تتنامى بشكل يثير المخاوف والدين العام ما زال في اتجاهات صعودية.
كذلك من حق غالبية المواطنين أن يتلمسوا أنهم يتجهون أكثر إلى “قاع الزجاجة” بسبب الخيارات الاقتصادية التي تنتهجها الحكومة لتطبيق المزيد من السياسات ذات التأثير السلبي على حياة الغالبية الكبيرة من المواطنين. فبعد التراجع الكبير الذي شهده قانون العمل الذي تم اقراره قبل ما يقارب الشهرين وأضعف من قدرات وقوة العمال والموظفين من المشاركة في الحوار الاجتماعي حول شروط عملهم والسياسات الحكومية المتعلقة بحياتهم، ها هي الحكومة تعمل ليل نهار لتمرير تعديلات على قانون الضمان الاجتماعي من شأن إقرارها الاضرار بمنظومة الحمايات الاجتماعية للمشتركين الحاليين والمستقبليين.
دور الحكومات ليس فقط الاحتفاء بالتحسن الطفيف لبعض المؤشرات الاقتصادية، وعليها الانتباه والاعتناء أكثر بتأثير سياساتها على المستويات المعيشية للغالبية الكبيرة من المواطنين، فهم وحدهم القادرون على الإحساس فيما اذا تحسنت المؤشرات الاقتصادية والاجتماعية الحقيقية.

مقالات ذات صلة

إغلاق
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock