;
تحليل إقتصادي

الاقتصاد الإسلامي والركود التضخمي.. الخطر المحدق

القاهرة – حذر البنك الدولي من مخاطر “الركود التضخمي” الذي ضرب الاقتصاد العالمي والذي يتنامى باضطراد منذ بدء الحرب في أوكرانيا، مؤكداً أن هذا الركود أصبح خطراً بالنسبة للعديد من دول العالم، ومن الصعب تجنبه وتفادي تداعياته.
وقال البنك في تقرير يحمل عنوان (آفاق الاقتصاد العالمي): «تفاقم الضرر الناجم عن جائحة كوفيد 19، والغزو الروسي لأوكرانيا أدى إلى مضاعفة التباطؤ في الاقتصاد العالمي، الذي يدخل ما يمكن أن يكون فترة طويلة من النمو الضعيف والتضخم المتصاعد».
وأوضح تقرير البنك الدولي أن “هذا التضخم يرفع مخاطر الركود، مع احتمالية حدوث عواقب وخيمة للاقتصادات المتوسطة والمنخفضة الدخل على حد سواء”.
والركود الذي يحذر منه البنك الدولي والعديد من المؤسسات الاقتصادية الدولية هو «حالة من التضخم المتصاعد باستمرار، مع معدلات بطالة مرتفعة، إضافة إلى التباطؤ الاقتصادي.»
هذه التحذيرات لم تنطلق من البنك الدولي وحده، بل اتفقت عليها معظم المؤسسات الاقتصادية الدولية والاقليمية، كما تعالت أصوات خبراء الاقتصاد في مختلف قارات العالم محذرة من التداعيات التي ستستمر لفترة طويلة حتى ولو توقفت الحرب في أوكرانيا، فقد تحالفت الأزمات الاقتصادية على مختلف الدول خلال العامين الماضيين، وأصبح واجب كل دولة أن تبحث عن حلول وإجراءات تخفف بها التداعيات الاقتصادية الخطيرة على اقتصادها في الحال والمستقبل القريب والبعيد.
ويشير تقرير البنك الدولي إلى أن النمو العالمي من المتوقع أن ينخفض من 5.7 % في عام 2021 إلى 2.9 % في 2022، ومن المتوقع أن يحوم حول هذه الوتيرة خلال عامي 2023 و2024، لا سيما مع تعطيل الحرب في أوكرانيا للنشاط والاستثمار والتجارة على المدى القريب.
وقال مدير مجموعة البنك الدولي «دافيد مالباس»: «الحرب في أوكرانيا، والإغلاق في الصين، واضطرابات سلاسل الإمداد، ومخاطر الركود التضخمي، تضرب النمو في معظم دول العالم، الركود سيكون صعباً تجنبه، ولذلك لا بديل عن تشجيع الإنتاج، وتجنب قيود التجارة، والتغييرات المالية والنقدية والمناخية وسياسة الدين ضرورية لمجابهة سوء تخصيص رأس العالم وعدم المساواة».
التضخم المصحوب بالركود هو مصطلح يجمع بين الكلمتين (التضخم – الركود)، وهو وصف لحالة اقتصادية صعبة تؤكد وجود خلل في المنظومة الاقتصادية الطبيعية، حيث تستمر الأسعار في الارتفاع، بينما ينخفض النمو الاقتصادي، مع ارتفاع في معدل الزيادة السعرية لإنتاج السلع والخدمات.
وقد بدأ استخدام هذا المصطلح في السبعينيات، عندما كان الاقتصاديون ومحافظو البنوك المركزية مرتبكين بسبب فترة غير عادية من التضخم المرتفع، والنمو الاقتصادي الضعيف الناجم عن الصدمات النفطية المزدوجة.
ويصيب التضخم المصحوب بالركود الاقتصادي الكلي الذي لا يعمل بشكل جيد، كما يقول (ديفيد ويلكوكس) كبير الاقتصاديين في معهد بيترسون للاقتصاد الدولي وبلومبيرج إيكونوميكس.
يقول الدكتور عز الدين فكري، أستاذ ورئيس قسم المحاسبة بكلية التجارة جامعة الأزهر، وعميد كلية الإدارة بالجامعة الحديثة للتكنولوجيا والمعلومات في مصر: يتمثل التضخم بصفة عامة في الارتفاع المستمر في أسعار شريحة كبيرة من السلع والخدمات، مما يؤدي إلى انخفاض القوة الشرائية للعملة الوطنية، ويمكن القول إن التضخم يعد بمثابة مباراة صفرية (فهناك رابحون من التضخم في جانب المبيعات او الإيرادات، وهناك خاسرون من التضخم في جانب المشتريات أو المصروفات)، وأنه كلما ارتفعت دخول الأفراد انخفضت درجة تـأثرهم بالتضخم، ومن ثم فإن أكثر الفئات تأثراً بالتضخم هم أصحاب الدخول المنخفضة وأصحاب الدخول الثابتة وأصحاب المدخرات النقدية والدائنين.
والتضخم قد يكون نتيجة أسباب طبيعية نتيجة لزيادة الطلب أو عدم احترام آليات السوق، أو أسباب تتعلق بطبيعة النظام الاقتصادي والسياسات النقدية المطبقة به.
أما التضخم الركودي (Stagflation) فهو حدث اقتصادي يكون فيه ارتفاع مستمر في الأسعار (تضخم) يصاحبه انخفاض في مستويات ومعدلات نمو الناتج المحلي، ومن ثم تزايد معدلات البطالة، أي أنه مزيج من عدة ظواهر اقتصادية سلبية. وبعبارة أخرى يمكن القول إن التضخم الركودي هو أسعار مرتفعة في ظل كساد (طلب منخفض).
ويمثل التضخم الركودي مشكلة للحكومات وواضعي السياسات النقدية، حيث إن أغلب الإجراءات التي تحد من التضخم قد ترفع من مستويات البطالة، والسياسات المصممة لخفض البطالة قد تؤدي إلى تفاقم التضخم. فقد تقوم الحكومات في ظل التضخم برفع أسعار الفائدة من البنك المركزي، ورفع الفائدة يؤدي إلى ارتفاع تكلفة التمويل، ومن ثم خفض نسبة الاقتراض، وهذا يؤدي إلى انخفاض إنتاجية الشركات، ومن ثم نقص الطلب، مما قد يؤدي إلى حدوث إفلاسات أو وجود كساد اقتصادي في ظل التضخم.
ورغم كل السياسات والإجراءات التي اتخذتها الدول لمعالجة مشكلة التضخم، إلا أنها لم تحقق الأهداف المرجوة منها علي الوجة الأكمل.
ويرى الخبراء أنه من الصعب إصلاح التضخم المصحوب بالركود بسرعة وبقرارات غير مدروسة؛ حيث تقع المهمة إلى حد كبير على عاتق المصرفيين المركزيين مثل الاحتياطي الفيدرالي، الموجود لضمان استقرار الاقتصاد، والبنوك المركزية في الدول التي تعاني من هذه الأزمة.
ولأن الاقتصاد العالمي يشهد معدلات تضخم لم نشهدها منذ عقود نتيجة ارتفاع الأسعار، وشح السلع وخاصة الغذائية، واضطرابات في توريدها، مع زيادة الطلب من المستهلكين، حيث تسببت الحرب الأوكرانية في وقف تصدير المواد الغذائية وتوقف العديد من مصانع الغذاء خاصة في منطقة الصراع، كما لجأت بعض الدول إلى تخزين كميات كبيرة من المنتجات الزراعية اللازمة للصناعات الغذائية لتوفير الأمن الغذائي لشعوبها، والخروج من هذه الحالة يتطلب وقفاً نهائياً للحرب، وعودة عجلة الإنتاج لتعمل من جديد وبوتيرة أسرع، وهو أمر خارج التوقعات الآن، الأمر الذي يرجح استمرار الأزمة وتفاقمها خلال الأشهر القادمة.
ويقول الخبير الاقتصادي المصري هاني توفيق: الركود التضخمي الذي بدأ يضرب اقتصادات العالم وبالتالي اقتصادات دول عربية عديدة، يمثل مشكلة كبرى، لأنه أسوأ أشكال التضخم، وعلاجه صعب لأنه يدمج مصطلحين متناقضين هما (التضخم والركود) وعلاج كل منهما يتناقض مع علاج الآخر.
ويوضح أن الركود الاقتصادي العالمي ليس وليد الحرب في روسيا فحسب، حيث بدأ هذا الركود نتيجة موجات تضخمية في النصف الأخير من عام 2021، وهو من مخلفات أزمة الوباء العالمى (كوفيد-19) وتحوراته، وأيضاً تداعيات مشكلة المناخ في العديد من دول العالم.. لكن بدأ هذا الركود التضخمى يظهر بوضوح خلال الأشهر الثلاثة الماضية (الربع الثاني من عام 2022) وفي انتظار تداعيات أكبر على اقتصادات العالم واقتصادات الدول العربية.
ويؤكد الخبير الاقتصادي هاني توفيق أن وتيرة الركود التضخمي في الغرب ستكون أسرع منها في البلاد العربية، وستختلف من دولة عربية إلى أخرى وفقاً للإجراءات والسياسات الاقتصادية المتبعة في كل دولة، لكن في كل الأحوال يجب أن تتخذ الدول العربية الإجراءات الاقتصادية التي تحمي اقتصادها من مخاطر وتداعيات هذا الركود، وأن يكون تحت السيطرة، وإذا لم نتمكن من مواجهة شاملة له فعلى الأقل نقلل من مخاطره.
ويشدد هانى توفيق على ضرورة التعامل بحكمة مع الموجات التضخمية المتسارعة أكثر من المتوقع، حيث يدفع ارتفاع تكاليف الطاقة والغذاء التضخم إلى معدلات قياسية.. ويقول: إذا كان معدل التضخم السنوي قد ارتفع إلى 8.6 % في مايو الماضي بالولايات المتحدة الأميركية إلا أنه تجاوز الـ20 % في عدد من الدول العربية، وهو ما يضاعف من تكلفة المعيشة، ويضع أعباء كبيرة على كاهل الأسر، وضغوطاً على صناع السياسات للسيطرة على الوضع، ولذلك ينبغي التحرك لتحسين النشاط الاقتصادي، وتخفيف ضغوط الأسعار، وتوفير فرص عمل جديدة للعاطلين.. وإذا كانت التقارير تؤكد زيادة الأسعار في شتى مناحي الأنشطة الاقتصادية، مما دفع إلى ارتفاع تكلفة كل شيء، فالمشكلة لم تعد في أسعار الغذاء فحسب.. بل كل شىء ارتفع سعره، وهو الأمر الذي يحتاج إلى حزمة من الإجراءات الاقتصادية لمواجهة تداعيات التضخم على الاقتصاد الكلي في البلاد العربية.
ويعود الدكتور عز الدين فكري ليوضح آليات الفكر الاقتصادي الإسلامي للتعامل مع مشكلة التضخم الركودي من خلال النقاط الآتية:
– ترشيد الاستهلاك وتنظيمه: من خلال الامتثال للضوابط الشرعية في هذا المجال والتي تنهى عن الاستهلاك الترفي والإسراف والتبذير، وتحرّم استهلاك السلع والخدمات الضارة، وترغّب في التوسط والاعتدال في الإنفاق على الاستهلاك.
– تفعيل دور الزكاة: من خلال تحصيل الزكاة نقداً (مما يحد من التضخم) وإنفاقها عيناً في صورة أدوات إنتاجية للمشروعات الصغيرة والمتوسطة والحرفيين ورواد الأعمال (ما يسهم في زيادة الإنتاجية والناتج المحلي ويحد من البطالة).
– إحياء الوقف الخيري: فهو أحد أهم آليات الشريعة الإسلامية، الذي يجمع بين توفير التمويل اللازم لأعمال الخير في كافة المجالات الاجتماعية والاقتصادية والعلمية وغيرها في الوقت الحاضر، وبين الاستمراية في المستقبل؛ سواء من حيث استمرار الثواب للواقف وبقاء الأجر بعد الوفاة أو من حيث استفادة الأجيال القادمة، أي أنه يحقق التوازن بين الدين والدنيا امتثالاً لقول الله تعالي: (وابتغ فيما آتاك الله الدارَ الآخرةَ ولا تنسَ نصيبك من الدنيا وأحسِن كما أحسن الله إليك، ولا تَبْغِ الفسادَ في الأرض، إن الله لا يحب المفسدين) سورة القصص الآية 77. – (وكالات)

زر الذهاب إلى الأعلى

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock