تحليل إقتصادي

الاقتصاد الخليجي 2022

عدنان أحمد يوسف *

تتفق جميع التقارير والدراسات الصادرة عن المؤسسات الدولية والخبراء على أن الاقتصاد الخليجي سوف يشهد تحسنا ملحوظا خلال العام 2022، وهذا يعود إلى تضافر جملة من العوامل الاقتصادية والمالية والجيوسياسية التي سوف تسهم جميعها في تحسن المشهد الاقتصادي الخليجي، لكن التحديات والمخاطر لا يمكن استبعادها دائما وتظل حاضرة. وهذا يدفع دول المجلس إلى مزيد من الحذر والحكمة في إدارة شؤونها الاقتصادية.
ويتوقع البنك الدولي أن تكون هناك نقلة إيجابية كلية لاقتصادات دول مجلس التعاون الخليجي مجتمعة، لتحقق متوسط نمو سنويا 3.3 %، خلال العام الحالي. كما أصدر صندوق النقد الدولي تقريرا في كانون الأول (ديسمبر) الماضي توقع فيه أن تحقق دول الخليج نمواً اقتصادياً متبايناً خلال 2022. وذكر أن صعود أسعار النفط سيدعم موازنات دول الخليج بصفة عامة، رغم أنه قد يؤدي لظهور سياسات مالية تتكيف مع أي تقلبات قد تحدث في 2022.
ويعد نمو القطاع النفطي أحد العوامل المحورية للتعافي الاقتصادي؛ حيث شهدت معظم أشهر العام 2021 تحليق سعر النفط فوق الـ70 دولارا وتجاوز أحيانا الـ80 دولارا. وتشير أغلب التوقعات إلى أن يكون متوسط سعره فوق 85 دولارا في العام 2022. ويجدر بنا أن نشير هنا إلى أن ارتفاع أسعار النفط يعكس إصرار الدول الرئيسة المستوردة للنفط مثل الصين واليابان والهند ودول أوروبا على الخروج من دوامة تداعيات جائحة كورونا ووضع مسار تصاعدي نحو التعافي بالرغم من تطور السلالات الجديدة للفيروس. فهناك موقف قوي بعدم السماح لهذه التداعيات أن تعبث بالمجتمعات والاقتصاديات العالمية لفترة أطول، ويتوجب العودة للمسار الطبيعي للحياة. بالطبع هذا المسار التصاعدي لن يتم بخط ثابت، وإنما سوف يخضع لبعض المتعرجات.
إن هذا الوضع سوف يسمح لدول التعاون بإعادة توظيف إيراداتها النفطية في الإنفاق على تنفيذ المشاريع الضخمة وتحريك اقتصاداتها وحماية مجتمعاتها بالوقت ذاته.
كما سوف تسهم القطاعات غير النفطية بدور حيوي أيضا في النمو الاقتصادي، حيث خرجت بعض القطاعات مثل قطاع الخدمات المالية من الجائحة في وضع قوي. وبالاطلاع على المملكة العربية السعودية، فإن زيادة الطلب المحلي والالتزام الحكومي بتنفيذ المشاريع الضخمة أمر أساسي في تحفيز التعافي الاقتصادي. أما بالنسبة للإمارات العربية المتحدة، فتتمثل أهم مؤشرات التعافي في قطاع السفر والسياحة بالنظر إلى أعداد الزائرين لمعرض إكسبو دبي 2020، مع استمراره لأشهر، والذي يبدو إيجابياً حتى الآن، ما سيعزز بلا شك النمو في قطاعي السفر والفنادق داخل الإمارات.
ويتوقع صندوق النقد الدولي بأن تعود جميع دول مجلس التعاون الخليجي إلى حالة التوازن المالي العام 2023، وذلك للمرة الأولى منذ العام 2014. كما يتوقع أن تعود سلطنة عُمان، التي كانت تعاني عجزا ماليا هيكليا كبيرا قبل جائحة “كوفيد 19″، إلى تحقيق فائض مالي خلال العام الحالي نتيجة لتنفيذ إصلاحات كبرى، إضافة إلى الاستغلال الأمثل لارتفاع أسعار النفط.
ورغم أن القطاعات النفطية وغير النفطية المزدهرة تقوم بدور محوري في تحقيق النمو الاقتصادي في دول مجلس التعاون الخليجي، إلا أن الكثير من التكهنات على النطاق العالمي تشير إلى أن تخفيف إجراءات التحفيز الاقتصادي الهادفة إلى معالجة تأثيرات الجائحة إلى جانب زيادة أسعار النفط سيؤديان إلى زيادة في التضخم، وهذا بالفعل ما لاحظناه مع خلال الأشهر القليلة الماضية وبداية العام الحالي، وذلك بسبب ارتفاع تكلفة الشحن والمشاكل في سلسلة إمدادات المواد الغذائية عالميا.
ومن التحديات الأخرى؛ مواصلة الإصلاحات المالية والاقتصادية الهيكلية التي من شأنها تعزيز الاستقرار الاقتصادي الكلي لدول المنطقة، ورفع نسب النمو المحتملة. ويدعو صندوق النقد الدولي دول التعاون إلى التعجيل بالإصلاحات الجارية؛ لدفع الإنتاجية وتنويع النشاط الاقتصادي. ويجب توجيه سياسة المالية العامة نحو تحقيق الضبط المالي الموات للنمو، بهدف ضمان استدامة المالية العامة والمركز الخارجي على المدى الطويل. كما ينبغي إعطاء الأولوية لتعزيز أطر المالية العامة ومواصلة تنمية الإيرادات غير النفطية، وزيادة كفاءة الإنفاق.
ومن دون شك، سوف تظل تداعيات كورونا لفترة من الزمن، وهذا يتطلب مواصلة دعم المنشآت الصغيرة والمتوسطة، حيث لاحظنا قيام معظم دول التعاون بتأجيل الأقساط المصرفية للستة الأشهر الأولى من العام 2022، وكذلك السعي لخلق الوظائف للمواطنين الداخلين حديثا سوق العمل ولمواجهة مشكلة البطالة الناجمة عن إغلاق المنشآت في بعض الأنشطة.
وأخيرا، فإن مواصلة تنفيذ مشاريع التكامل الاقتصادي الخليجي يجب أن يظل أولوية على أجندة دول المجلس، والتي من خلالها تستطيع تعزيز مناعة اقتصاداتها بوجه التحديات الإقليمية والعالمية، وفي المقدمة منها مشاريع الاتحاد الجمركي والسوق الخليجية المشتركة وتحرير التجارة والاستثمار وأسواق العمل أمام المواطنين الخليجيين، وهي القرارات التي أكدتها القمة الخليجية في الرياض في شهر كانون الأول (ديسمبر) من العام الماضي.

*رئيس جمعية مصارف البحرين رئيس اتحاد المصارف العربية سابقا

زر الذهاب إلى الأعلى

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock