تحليل إقتصادي

الاقتصاد الصيني يعتمد على الأسواق الناشئة

باري ايتشنجرين*
بيركلي ـ بينما ما تزال بلدان العالم الغنية تعاني من آثار الأزمة المالية، أصبح الاقتصاد العالمي معتمداً على الأسواق الناشئة في دفع عجلة النمو. وعلى نحو متزايد، ينظر مصدرو الآلات وموردو الطاقة ومنتجو المواد الخام على حد سواء إلى الصين وغيرها من الدول النامية السريعة النمو باعتبارها مصدراً رئيسياً للطلب المتنامي.
ولكن المسؤولين الصينيين يحذرون من أن اقتصادهم يوشك على التباطؤ. ففي أواخر شهر شباط (فبراير) أعلن رئيس مجلس الدولة ون جيا باو أن هدف نمو الناتج المحلي الإجمالي السنوي على مدى الأعوام الخمسة المقبلة هو 7 %. وهذا يمثل تباطؤاً كبيراً بعد المعدل المتوسط الذي بلغ 11 % على مدى الأعوام الخمسة التي انتهت بعام 2010.
ولكن هل يتعين علينا أن نأخذ هدف الـ7 % هذا على محمل الجد؟ فعلى كل حال، كان هدف الأعوام الخمسة الماضية المعلن 7.5 % فقط، ولم تظهر السلطات الصينية أي ميل إلى كبح جماح الاقتصاد عندما تجاوز معدل النمو الهدف. بل إنهم على النقيض من ذلك عملوا بقوة على زيادة الإقراض المصرفي عندما أصبح الطلب العالمي ضعيفاً في العام 2008. وكانوا عازفين علانية عن السماح لقيمة الرنمينبي بالارتفاع كوسيلة لكبح نمو الصادرات.
بطبيعة الحال، من الصعب أن نبالغ في انتقاد السياسات الصينية الماضية. ذلك أن النمو الذي حققته البلاد لم يكن أقل من معجزة بأي حال من الأحوال. ولقد مكنت السياسات التي انتهجت في مرحلة ما بعد العام 2008 الصين إلى حد كبير من تجنب الركود العالمي. وهناك أمر يدعو إلى التفاؤل فيما يتصل بالمسؤولين الذين يعدون في واقع الأمر بأقل مما يقدمونه في نهاية المطاف.
هل يسعى قادة الصين إذا إلى تقليص التوقعات فيما يتصل بقدرة الاقتصاد على النمو؟ أم أن توقعاتهم بنمو أبطأ مجرد حيلة مكيافيلية أخرى للتخلص من الضغوط الأجنبية الرامية إلى حملهم على رفع قيمة الرنمينبي؟
هناك من الأسباب ما يجعلنا نعتقد بأن هذا غير صحيح ـ بأن المسؤولين الصينيين مقتنعون بأن التباطؤ قادم.
ذلك أن الصين كانت قادرة على تحقيق النمو بسرعة بالغة من خلال تحويل أعداد ضخمة من العمال شبه العاطلين من قطاع الزراعة إلى قطاع التصنيع. وهي تتمتع فضلاً عن ذلك بمعدل استثماري مرتفع بلغ 45 % من الناتج المحلي الإجمالي. كما نجحت في تحفيز الطلب على الصادرات من خلال الحفاظ على عملة مقومة بأقل من قيمتها بكل المقاييس.
ولكن في استجابة للضغوط الخارجية والداخلية، سوف تضطر الصين إلى إعادة التوازن إلى الاقتصاد، بتخفيف التركيز على التصنيع والصادرات وزيادته على الخدمات والإنفاق المحلي. وعند نقطة ما سوف يبدأ العمال الصينيون في المطالبة بأجور أعلى وساعات عمل أقصر. وسوف تعني زيادة الاستهلاك استثماراً أقل. وكل هذا يعني ضمناً تباطؤ النمو.
ويدرك المسؤولون الصينيون تمام الإدراك أن هذه التغيرات قادمة. بل إنهم أقروا بهذا في أحدث خطة خمسية، والتي تم الكشف عنها في وقت سابق من هذا الشهر.
لذا فإن القضية الآن ليست ما إذا كان النمو الصيني سوف يتباطأ، بل متى يتباطأ. في بحث أجري مؤخراً قمت أنا وكوان هوشين من جامعة كوريا بدراسة 39 حالة شهدت تباطؤاً اقتصادياً حاداً ومستمراً بعد نمو اقتصادي سريع وفي ظل نصيب للفرد في الدخل لا يقل عن عشرة آلاف دولار أميركي. ولقد وجدنا أن في الاقتصاد السريع النمو يتباطأ عندما يبلغ نصيب الفرد في الدخل 16500 دولار، قياساً على أسعار الدولار الأميركي في العام 2005. وإذا واصلت الصين النمو بنسبة 10 % سنوياً، فمن المتوقع أن تتجاوز هذه العتبة في غضون ثلاثة أعوام فقط من الآن، أي في العام 2014.
بطبيعة الحال، لا يوجد قانون حديدي يحكم التباطؤ. فليس كل البلدان السريعة النمو تتباطأ عندما يبلغ نصيب الفرد في دخلها نفس المستوى. ويأتي التباطؤ بشكل أسرع في البلدان حيث نسبة المسنين إلى المشاركين في قوة العمل النشطة عالية، وهذه هي الحال على نحو متزايد في الصين، ويرجع هذا إلى ارتفاع متوسط العمر المتوقع وسياسة الطفل الواحد التي بدأ تنفيذها في سبعينيات القرن العشرين.
ويصبح التباطؤ أكثر ترجيحاً في البلدان حيث تتجاوز نسبة قطاع التصنيع في إجمالي العمالة 20 %، وذلك لأنه يصبح من الضروري في هذه الحالة أن يتم تحويل العمال إلى قطاع الخدمات، حيث نمو الإنتاجية أبطأ. وهذه أيضاً حال الصين، وهو ما يعكس نجاحها في الماضي في توسيع قاعدتها الصناعية.
والأمر الأكثر لفتاً للنظر هو أن التباطؤ يأتي في مرحلة مبكرة حيثما كانت العملة مقومة بأقل من قيمتها. ومن بين الأسباب وراء ذلك هو أن البلدان التي تعتمد على أسعار صرف مقومة بأقل من قيمتها الحقيقية أكثر عُرضة للصدمات الخارجية. فضلاً عن ذلك، ورغم أن خفض قيمة العملة قد ينجح كآلية لتعزيز النمو في المراحل المبكرة من التنمية، فعندما تعتمد أي دولة على تحويل قوتها العاملة من الزراعة إلى التصنيع القائم على التجميع، فإن هذا النجاح قد يتضاءل في وقت لاحق، عندما يصبح النمو أكثر اعتماداً على الإبداع.
وأخيرا، قد يؤدي الإبقاء على عملة مقومة بأقل من قيمتها إلى تراكم الخلل في التوازن وتجاوزات في التصنيع القائم على التصدير، كما حدث في كوريا في تسعينيات القرن العشرين، وقد يجعل تباطؤ النمو أكثر ترجيحاً من خلال هذه القناة.
لكل هذه الأسباب، نستطيع أن نؤكد أن تباطؤ النمو الصيني بشكل كبير بات وشيكا. والسؤال المطروح الآن هو ما إذا كان العالم مستعداً لذلك، وما إذا كانت البلدان الأخرى التي تسير على خطى الصين سوف تزيد من جهدها لتزويد العالم بالديناميكية الاقتصادية التي أصبحنا نعتمد على جمهورية الصين الشعبية في توفيرها لنا.
* أستاذ الاقتصاد والعلوم السياسية بجامعة كاليفورنيا في بيركلي.
خاص بـ”الغد” بالتعاون مع بروجيكت سنديكيت 2011.

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock