تحليل إقتصادي

الاقتصاد العالمي في ورطة

محمد العريان*
واشنطن- في مقر مؤسسة بيمكو العالمية في كاليفورنيا، اجتمع مؤخراً عدد من الزملاء من مختلف أنحاء العالم لحضور منتدانا العالمي الذي نقيمه هناك سنوياً، حيث نخلف وراءنا لبضعة أيام كل القضايا الساخنة ونناقش بدلاً من ذلك ما قد تحمله الأعوام الثلاثة أو الخمسة المقبلة للاقتصاد العالمي. يتسم المنتدى بمنظور عالمي، ويستنير بوجهات نظر ورؤى متحدثين من الخارج، ويركز على ما يمكن أن يحدث في مقابل ما يجب أن يحدث.
كان المنتديان الأخيران قد أظهرا أن الاقتصاد العالمي، بعد الأزمة المالية العالمية، لن يعيد تشكيل أو ضبط طريقته الدورية التقليدية. فبدلاً من ذلك، واجه الاقتصاد العالمي عمليات إعادة لتنظيم الصفوف على مدى عدة سنوات على الصعيدين الوطني والعالمي. إن الاقتصاد العالمي سوف يتعافى، ولكن بنمط بطيء وغير منتظم، حيث تشق القوى الاقتصادية المتقدمة طريقها في تشوش وارتباك، في حين تغلق بلدان العالم الناشئة الأكثر ديناميكية تدريجياً الفجوة القائمة اليوم في الدخول والثروات.
وكانت التطورات منذ ذلك الوقت متمشية مع هذا التوصيف. فقد كان تعافي مجموعة الدول السبع الكبار بطيئاً إلى حد غير عادي، على الرغم من التحفيز غير المسبوق (وخاصة في الولايات المتحدة). ونتيجة لهذا، ارتفعت معدلات البطالة، فتجاوزت الآن مثيلاتها في القوى الاقتصادية الناشئة. وفي غضون ذلك، تفاقمت مؤشرات العجز والديون، سواء بالأرقام المطلقة أو نسبة إلى القوى الاقتصادية الناشئة، والآن تجاوز متوسط علاوة المخاطرة على ديون القوى الاقتصادية المتقدمة نظيره على ديون القوى الاقتصادية الناشئة.
ولا ترقى هذه النتائج على الإطلاق لتوقعات صانعي القرار السياسي، سواء في أميركا أو أوروبا. والواقع أنهم جميعاً كانوا يركزون بشكل مفهوم على تحفيز النمو طيلة القسم الأعظم من مرحلة ما بعد الأزمة.
حتى إن البعض منهم تبنوا سياسات واضحة لدعم أسعار الأصول (على سبيل المثال، الجولة الثانية التي أقرها بنك الاحتياطي الفيدرالي الأميركي مما أطلق عليه “التيسير الكمي”). ولكن إلى جانب تضخم أسعار الأصول “الحميد”، الذي يهدف إلى جعل الناس يشعرون بأنهم أكثر ثراءً فيزيدون من إنفاقهم، فإن هذه التوجهات أسفرت عن تضخم “غير حميد”، وذلك نظراً لارتفاع أسعار السلع الأساسية، التي تفرض ضريبة على كل من المدخلات والمستهلكين. وفي أوروبا، تم استغلال كل القوائم المالية المتاحة في محاولة لتدارك أزمة الديون في المحيط الخارجي لأوروبا، الأمر الذي أسفر عن حزم إنقاذ ضخمة لليونان، وأيرلندا، والبرتغال، فضلاً عن تلوث القوائم المالية للبنك المركزي الأوروبي.
واستشرافاً للمستقبل، فهناك بعض الدلائل التي تشير إلى التعافي المتسارع للاقتصاد العالمي وتزايد مرونته وقدرته على المقاومة، وهو ما يبشر بالخير فيما يتصل بالانسحاب المنظم من السياسات غير التقليدية. وهناك أيضاً دلائل تشير إلى أن انطلاقة القوى الاقتصادية الناشئة راسخة وجيدة الارتكاز، وأن الصين بصورة خاصة سوف تتمكن من إدارة تحولها المعقد إلى دولة متوسطة الدخل.
ولكن من المؤسف أن دلائل أخرى تشير إلى تعاف عالمي متعثر ومتفاوت. ففي القوى الاقتصادية المتقدمة، لا تكفي معدلات النمو المتوقعة لتجنب مشاكل الديون والعجز المتفاقمة. وبالنسبة لبعض هذه البلدان، مثل اليونان، فإن هذا يعني المزيد من الاختيارات العصيبة بين إعادة الهيكلة وتعميم الخسائر اجتماعيا. وبالنسبة لبلدان أخرى مثل الولايات المتحدة فإن التضحيات في المستقبل باتت مطلوبة بالفعل، وعلى الأرجح من خلال مزيج من معدلات التضخم الأعلى، والتقشف، و”القمع المالي”، بينما تسعى الحكومات إلى فرض معدلات حقيقية سلبية من العائد على المدخرين. وغني عن القول إن التحولات الديموغرافية والقيود التي تفرضها السلع الأساسية، وأسباب عدم اليقين الجغرافي السياسي، تعمل على تعقيد الأمر برمته.
والأمر الأكثر أهمية من ذلك هو أن القوائم المالية للعديد من الحكومات والأسر تظل بعيدة كل البعد عن التوازن في ظل اقتصاد عالمي قائم على الأصول بشكل مفرط. ونتيجة لهذا فإن العديد من الوعود التي طال انتظار تلبيتها سوف تخضع لضغوط إضافية على مدى الأعوام الثلاثة إلى الخمسة المقبلة. وبوسعنا أن نقول على وجه التحديد إن مجموعة متنوعة من العقود الاجتماعية ـ على سبيل المثال، الرعاية الصحية واستحقاقات التقاعد، فضلاً عن إعانات البطالة ـ سوف تتعرض لضغوط أكثر شدة. وعلى المستوى الدولي فإن موقف المنافع العامة التي تقدمها الولايات المتحدة (بما في ذلك الدولار باعتباره عملة احتياطية عالمية) سوف يتعرض لتآكل تدريجي.
وبقدر ما يحمله هذا السيناريو من مخاطر فإن الأعوام القليلة المقبلة سوف تتبع نفس الديناميكيات المتعددة السرعة التي شهدنها في الآونة الأخيرة. وعلى وجه التحديد:
• سوف تواجه القوى الاقتصادية المتقدمة نمواً متباطئاً (ولنقل 2%) ومعدلات بطالة مرتفعة على نحو عنيد، وبنيوية بشكل متزايد (وطويلة الأمد بالتالي). وسوف تستمر الفوارق الكبيرة في الدخول والثروات في الاتساع، مع تضخيمها بفعل ارتفاع معدلات التضخم والقمع المالي. وسوف تظل المخاوف المرتبطة بالديون والعجز قائمة، في ظل يقين شبه مؤكد بحدوث عملية إعادة هيكلة للديون السيادية لدولة واحدة على الأقل في أوروبا.
• سوف تحقق القوى الاقتصادية الناشئة نمواً أعلى (في حدود 6%)، وسوف تستمر مستويات الدخول والثروات هناك في الاقتراب من نظيراتها في القوى الاقتصادية المتقدمة. ولكن هذا من شأنه أن يخلق تحديات خاصة به، بما في ذلك الضغوط التضخمية المتكررة والارتفاعات الحادة في تدفقات رأس المال، على نحو يؤدي إلى المزيد من التجريب في وضع السياسات.
• سوف تستمر الجدارة الائتمانية السيادية في التباعد، في ظل استمرار تدهور القوى الاقتصادية المتقدمة وتحسن الأسواق الناشئة.
• سوف يحدث التقارب في معدلات التضخم ـ بين المعدلات الكلية والأساسية، وبين المعدلات المرتفعة في الأسواق الناشئة والمعدلات المنخفضة في الدول المتقدمة ـ بمستويات أعلى كثيراً من التوقعات الحالية.
• سوف يكون الاقتصاد العالمي عموماً متعثرا، وسوف يواصل تحوله التدريجي من عالم أحادي القطبية إلى عالم متعدد الأقطاب.
والواقع أن هذا السيناريو الأساسي عُرضة لمخاطر مزدوجة ومن شأنها أن تتزايد مع الوقت. فعلى الجانب الإيجابي، قد تمر الولايات المتحدة بلحظة أشبه “بلحظة سبوتنيك”: حيث يؤدي حس بالوحدة الوطنية والهدف المشترك والتضحيات المشتركة إلى إصلاحات بنيوية تركز على إعادة ضبط القوائم المالية في الأمد المتوسط، وتعزيز فرص العمل، وتحسين القدرة التنافسية. وقد يكون بوسع أوروبا أن تعيد هندسة منطقة اليورو بهدف تمكينها من الاستمرار في تحمل الديون وتحقيق النمو الاقتصادي المرتفع. وبوسع الأسواق الناشئة أيضاً أن تطلق العنان لمستهلكيها، وأن تدعم الطلب العالمي.
والواقع أن فرص إتمام مثل هذه “الصفقات الكبرى” تزايدت في الأشهر الأخيرة، ولكنها في هذه المرحلة لن تسفر في أفضل تقدير إلا عن التعويض عن مجازفات الجانب السلبي للتوقعات العالمية. والأهم من كل هذا أن الديون انتقلت ببساطة إلى مختلف أنحاء الاقتصاد العالمي، وهو ما لا يمكن أن يستمر إلى ما لا نهاية. وفي الوقت نفسه، يعمل التفاوت المفرط في الدخول والثروات على إضعاف نسيج المجتمعات؛ وتعمل البطالة المستمرة في الدول المتقدمة على تقويض الإنتاجية والمهارات؛ وتتدهور فعالية ومرونة السياسات؛ ويواجه الاقتصاد العالمي تحديات متزايدة في استيعاب مرحلة انطلاق التنمية في الأسواق الناشئة ذات الأهمية الشاملة للنظام بالكامل.
إن عملية إعادة الضبط على سنوات متعددة تتسم بالفوضوية والتعقيد، وخاصة عندما تحدث في نفس الوقت على المستويين الوطني والعالمي، وعندما تبرز عوامل أخرى مثل النمو المتعدد السرعات، والتضخم، وديناميكيات الائتمان، كما هي الحال اليوم. وتتحول القيم القابلة للقياس إلى متغيرات؛ وتتقدم عملية إصلاح القوائم المالية على نحو بطيء وغير منتظم؛ ويخضع صناع القرار السياسي لتحول غير مريح في التوازن بين الفوائد والتكاليف والمخاطر.
بقدر ما قد نرغب في رؤية أكثر بثاً للطمأنينة في أنفسنا، فإن الاقتصاد العالمي سوف يظل في حالة سيولة غير عادية في الأعوام المقبلة. وما يبدو الآن وكأنه عالم مترابط نظاميا، فسوف يتبين لنا أيضاً أنه مجزأ بصورة متزايدة على المستوى الإدراكي، في ظل ضعف الحوكمة العالمية وتنسيق السياسات. وهذا هو الاقتصاد العالمي الذي لا بد وأن يدار بقدر عظيم من العناية والحذر، خشية أن يجد هؤلاء الذين يسعون إلى الاستفادة من التغيير أنفسهم وقد وقعوا ضحية له.

*المدير التنفيذي والمسؤول الإعلامي المشارك لمؤسسة بيمكو.
خاص بـ “الغد” بالتعاون مع  بروجيكت سنديكيت، 2011.

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock