تحليل إقتصادي

الاقتصاد العالمي والحاجة لرؤية اقتصادية جديدة

عدنان أحمد يوسف*

اعتدنا في مطلع كل عام أن نكتب حول توقعاتنا للاقتصاد الإقليمي والعربي والعالمي من واقع قراءاتنا وتحليلاتنا، وما تصدره المؤسسات الدولية بهذا الشأن. ولكن هذه هي المرة الأولى التي أكتب فيها حول هذا الموضوع وأنا خارج منصبي كرئيس تنفيذي لمجموعة البركة المصرفية، وهو المنصب الذي كنت أشغله طوال الأعوام العشرين الماضية. وأعتقد أن رؤية الأحداث الاقتصادية تصبح بصورة أوضح وأعمق عندما ننظر إليها ونحن خارج مناصبنا الرسمية.
وبداية لم تكن أكثر السيناريوهات تشاؤما التي صدرت عن المؤسسات الدولية تتوقع أن تتواصل معنا جائحة كورونا وبهذا الزخم الكبير ونحن نلج العام 2021. لذلك اضطرت هذه المؤسسات لمراجعة توقعاتها أكثر من مرة. وفي حين استجابت المؤشرات الاقتصادية العالمية إيجابا لبدء العمل باللقاحات ضد الفيروس، فإن موجة الإغلاقات التي تشهدها الدول الأوروبية في الوقت الحاضر، علاوة على عدد من دول العالم الأخرى، ألقت بظلال سلبية على توقعات العام.
لذلك، فإن العنوان العريض للعام 2021 هو حالة عدم اليقين؛ حيث سيظل العالم يسير على حبل مشدود تتجاذبه التطورات الإيجابية من جانب والسلبية من جانب آخر.
لكننا، كالعادة، نميل نحو التفاؤل، ونعتقد أنه في النصف الثاني من العام سوف يكون العالم بحال أفضل.
وفيما يخص اقتصادات دول المنطقة، فنحن ندرك جميعا أن سعر النفط يلعب دورا حاسما في تحسن وضعها الاقتصادي خلال العام 2021. ويبدو أن أسعار النفط التي تبلغ حاليا 55 دولارا للبرميل تتجه للتماسك بضوء قرار أوبك بلس بتخفيض الإنتاج وقرار المملكة العربية السعودية بالتخفيض الطوعي لحصتها خلال شهري شباط (فبراير) وآذار (مارس) المقبلين وتوقعات تحسن الطلب وبالذات من الدول الآسيوية، ولا سيما الصين. فإذا ما بلغ سعر النفط 60 دولارا، فإن الأوضاع المالية للدول المصدرة النفط، بما في ذلك دول الخليج، سوف تتحسن بشكل أفضل، وسوف ينعكس إيجابا على التوقعات الاقتصادية.
لكننا لا ننسى بالوقت ذاته أن بلوغ سعر النفط مستويات 60 دولارا وما فوق سوف يحفز منتجي النفط الصخري، ولا سيما في الولايات المتحدة، من العودة للإنتاج بقوة، ما يهدد جانب العرض في الأسواق. وهكذا نلاحظ أن حالة عدم اليقين تظلل أيضا الاقتصادات الخليجية.
ومن المتوقع أن يتعافى النمو إلى 1.8 % في العام الحالي في الدول المصدرة للنفط، بدعم من عودة الطلب على النفط إلى الوضع الطبيعي والتخفيف المقرر لخفض إنتاج النفط في بلدان أوبك+ والدعم على صعيد السياسات والتخفيف التدريجي للقيود المحلية المرتبطة بالجائحة.
بالنسبة للاقتصاد العالمي، فمن المتوقع أن ينمو بنسبة 4 % العام 2021، بافتراض أن التوزيع الأولي للقاحات فيروس كورونا سيصبح واسع الانتشار خلال العام. لكن البنك الدولي يفيد بأن التعافي سيكون ضعيفا على الأرجح، ما لم يتحرك صانعو السياسات بحسم لكبح جماح الجائحة وتطبيق إصلاحات لتعزيز الاستثمار. ولقد تسببت الجائحة في خسائر فادحة من الوفيات والإصابات المرضية، ودفعت بالملايين نحو هوة الفقر، وربما تقلص النشاط الاقتصادي والدخل لفترة طويلة. وتتمثل قمة الأولويات على صعيد السياسات في الأمد القريب في السيطرة على انتشار الفيروس وضمان سرعة توزيع اللقاحات على نطاق واسع. وبغية دعم التعافي الاقتصادي، ستحتاج السلطات أيضا إلى تيسير دورة إعادة الاستثمار التي تهدف إلى نمو مستدام أقل اعتمادا على الدين الحكومي.
وفي الاقتصادات المتقدمة، تعثر الانتعاش الناشئ في الربع الثالث عقب ارتفاع الإصابات مجددا، ما يشير إلى بطء التعافي ومواجهة كثير من التحديات. ومن المتوقع أن ينمو الناتج المحلي الإجمالي للولايات المتحدة 3.5 % في 2021، بعد انكماشه بمعدل يُتوقع أن يبلغ 3.6 % في 2020. وفي منطقة اليورو، من المنتظر أن ينمو الناتج 3.6 % في العام الحالي، بعد انخفاضه 7.4 % في 2020. ومن المتوقع أن ينمو النشاط في اليابان، التي شهدت انكماشا بنسبة 5.3 % في العام الذي انتهى للتو، بمعدل 2.5 % في 2021. لكننا نعتقد أن تداعيات كورونا سوف تظل متواصلة في الدول المتقدمة هذا العام والعام المقبل على الأقل.
ومن المتوقع أن ينمو الناتج المحلي الإجمالي الكلي في اقتصادات الأسواق الناشئة والبلدان النامية 5 % في 2021، بعد انكماشه 2.6 % في 2020. ومن المتوقع أن ينمو الاقتصاد الصيني 7.9 % في العام الحالي بعد تسجيل معدل نمو يصل إلى 2 % في العام الماضي. وسوف يكون للصين دور رئيسي في تحسن الوضع الاقتصادي العالمي.
وأخيرا، فإننا نرى أنه بالرغم من أن سياسات التيسير المالي تعد ضرورية في الوقت الراهن من أجل التعافي، إلا أن تجربة استخدامها بعد أزمة العام 2008 أثبتت أن لها الكثير من الآثار الجانبية السلبية، خاصة فيما يخص تشجيع تراكم الديون على الشركات والحكومات، ودفع البنوك والمستثمرين للمضاربات والاستثمار في أصول منخفضة النوعية، خاصة أن الحاجة للإنفاق من المالية العامة وانهيار مستويات الإنتاج أديا إلى ارتفاع الديون السيادية العالمية إلى أعلى مستوياتها على الإطلاق لتصل إلى 100 % من إجمالي الناتج المحلي العالمي.
لذلك، لا بد لدول العالم، وخاصة الدول النامية، أن تسعى لتبني رؤية اقتصادية جديدة تقوم على التركيز على تنمية الاقتصاد الحقيقي الذي أثبتت الأزمة أننا بحاجة لضخ استثمارات كبيرة فيه، مثل قطاعات التعليم والصحة والصناعات المعرفية والتكنولوجيا والخدمات اللوجستية لكي نخلق تنوعا في الاقتصاد أولا، وثانيا لكي نخلق اقتصاد قادر على مقاومة الصدمات المفاجئة ويحمي البشر والمجتمع بصورة مستدامة. وهذا الموضوع سوف نتناوله في مقالات مقبلة إن شاء الله.

*رئيس اتحاد المصارف العربية سابقا ورئيس جمعية مصارف البحرين

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock